آخر الأخبار

spot_img

البروليتاريا بين التحول المفاهيمي ووظيفتها الاقتصادية: قراءة في الحالة اليمنية الراهنة

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

د. طارق عبدالرشيد ملهي *

شهد مفهوم البروليتاريا سلسلة من التحولات الدلالية التي تعكس تطور البنية الاقتصادية عبر التاريخ. ففي دلالته الرومانية الأولى (Proletarii) كان يشير إلى أدنى طبقات المجتمع، ممن لا يملكون ثروة تُذكر، ويُنظر إليهم بوصفهم “رأسمالاً بشرياً” لا من حيث الإنتاج، بل من حيث التكاثر والامتداد الديمغرافي للدولة.

أما في الصياغة الماركسية، فقد انتقل المفهوم إلى مستوى أكثر تحديداً، ليعبر عن الطبقة العاملة التي لا تمتلك وسائل الإنتاج، وتضطر إلى بيع قوة عملها مقابل الأجر، في مقابل الطبقة المالكة لرأس المال. وهنا أصبح معيار التمييز قائماً على العلاقة بوسائل الإنتاج لا على الوضع الاجتماعي العام.

في المقاربة الاقتصادية الحديثة، لم يعد المفهوم محصوراً في السياق الصناعي، بل يمكن إعادة توظيفه تحليلياً ضمن إطار الطلب الكلي ودور الدخل في تحريك الدورة الاقتصادية، خاصة في الاقتصادات الريعية التي تعاني اختلالات هيكلية وانحرافات في وظيفة الإنتاج.

في الحالة اليمنية، تبرز مقارنة مفاهيمية ذات دلالة: موظفو القطاع العام (في ظل بطالة مقنعة عالية نسبياً): قوة دخلية تسهم أساساً في تحفيز الطلب الكلي لا في الإنتاج المباشر.

ومن هذا المنظور، يمكن توصيف هذه الشريحة من حيث وظيفتها غير المباشرة في النشاط الاقتصادي، إذ تتحول مساهمتها الأساسية إلى تنشيط السوق عبر الاستهلاك لا عبر الإنتاج.

ففي ظل شح السيولة النقدية وتراكم متأخرات الأجور، يبرز الإصدار النقدي الموجه للمرتبات كحل أمثل؛ يقوم على فرضية أن توجيه السيولة نحو الأجور يمكن أن يحقق:
• تمكين الدولة من الوفاء بالتزاماتها الأساسية.
• تخفيف الاحتقان الاجتماعي الناتج عن انقطاع الرواتب.
• تنشيط الطلب المحلي عبر رفع الإنفاق الاستهلاكي.
• الحد من الانكماش الناتج عن توقف الدورة النقدية.

في المقابل، تستند الاعتراضات إلى المقاربة النقدية التقليدية التي تفترض أن أي توسع في الكتلة النقدية يقود بالضرورة إلى التضخم. غير أن هذه المقاربة تبدو أقل اتساقاً في حالة يتسم فيها الاقتصاد بـشح السيولة الفعلية وتوقف الإنفاق العام، حيث يصبح الانكماش النقدي بحد ذاته عامل ضغط أشد من التضخم المحتمل.

وتزداد تعقيدات المشهد في ظل حالة يمكن توصيفها بـالركود التضخمي (Stagflation)، حيث يتزامن ارتفاع الأسعار مع ضعف النشاط الاقتصادي وشح السيولة. وفي هذا السياق، فإن الامتناع عن ضخ سيولة موجهة قد لا يحد من التضخم بقدر ما يعمّق الركود، خاصة إذا كان جزء معتبر من التضخم ذا طبيعة مستوردة لا ناتجة عن توسع نقدي داخلي. كما أن الأثر على سعر الصرف يظل محدوداً نسبياً في ظل وجود تدفقات أو احتياطيات من النقد الأجنبي داخل الاقتصاد.

خلاصة تحليلية
يتضح أن مفهوم البروليتاريا لم يعد يختزل في وظيفته الإنتاجية الكلاسيكية داخل الاقتصاد الصناعي، بل يمكن إعادة قراءته بوصفه أداة لفهم سلوك الطلب الكلي ودور الدخل في الاستقرار الاقتصادي. وفي الحالة اليمنية، تمثل شريحة موظفي الدولة –رغم ما يعتري بعض قطاعاتها من بطالة مقنعة عالية نسبياً– عنصراً محورياً في تحريك الدورة الاقتصادية عبر الاستهلاك، بما يجعلها فاعلاً اقتصادياً غير مباشر في استقرار السوق، لا مجرد عبء مالي كما تُختزل في بعض القراءات التقليدية.

* نقلاً عن صفحته بالفيسبوك