(سنغافورة/لندن) – “صحيفة الثوري” – “رويترز”:
تحت تأثير الانبهار بسوق الذكاء الاصطناعي المزدهرة التي دفعت الأسهم إلى مستويات قياسية، ومع التعلق بالأمل في حرب قصيرة في صراع إيران، لم يتأهب المستثمرون بعد لمواجهة سيناريو تقفز فيه أسعار النفط إلى المثلين. وقد تنعدم الفرص للتأهب لوضع كهذا في وقت قريب.
ويوجد الكثير من الأسباب التي تدعو إلى الثقة في السوق، والتي تتركز بشكل أساسي على مجموعة شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة، وشركات تصنيع أشباه الموصلات، ومطوري البرمجيات، والنمو القوي للأرباح. وقد سجل مؤشر ستاندرد اند بورز 500 مستويات قياسية جديدة أمس الخميس.
وبالرغم من أن ضغوط الأسعار لا تخفى في استطلاعات النشاط التجاري وتوقعات التضخم الاستهلاكي، لا يزال النمو والتوظيف مستقرين بدرجة ما، وتشير البنوك المركزية العالمية إلى أنها لن تتسرع في رفع أسعار الفائدة في الوقت الذي تقيّم فيه تأثير الحرب.
والجزء الذي تكمن فيه المشكلة من مشهد الطاقة هو السوق المادية الفعلية، حيث يجري تداول براميل النفط الخام والمنتجات المكررة فعليا، وليس بالعقود الآجلة الإلكترونية.
وترتفع الأسعار في هذا الجزء من السوق إلى حوالي 130 دولارا للبرميل، أي أنها أكبر بنحو 70 بالمئة عما كانت عليه في فبراير شباط، ويتساوى في ذلك خام فورتيس من بحر الشمال، أو خام كابيندا الأنجولي، أو ترول النرويجي.
وتعكس هذه الأرقام ارتفاعا في تكاليف الطاقة على الاقتصاد العالمي أكبر بكثير مما تدلل عليه العقود الآجلة لخام برنت، التي يجري تداولها عند حوالي 110 دولارات للبرميل، بزيادة 50 بالمئة عن مستويات نهاية فبراير شباط.
وزاد سعر خام برنت للتسليم بعد 12 شهرا عن 80 دولارا للبرميل، أي بزيادة 20 بالمئة عن مستويات أواخر فبراير شباط.
وقال تاماس فارجا، المحلل في شركة الوساطة في مجال الطاقة (بي.في.إم أويل أسوشييتس) ” تعكس الأسواق المادية الواقع على الأرض، بينما تميل سوق العقود الآجلة بدرجة أكبر للتعبير عن التصورات والآمال”.
وأضاف “يمكن القول إن الأسواق المادية هي الانعكاس الحقيقي لما يحدث فعليا حول مضيق هرمز”.
* فقدان مليار برميل
أدت الحرب فعليا إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله 20 بالمئة من إمدادات الطاقة العالمية. وتقدر شركة فيتول، وهي أكبر شركة لتجارة النفط في العالم، أن السوق قد تفقد مليار برميل من الإمدادات بحلول الوقت الذي تعود فيه للتعافي.
وقال فاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية، في أبريل نيسان إن أسعار النفط لا تعكس الوضع الراهن، وإن على العالم أن يستعد لأسعار أعلى بكثير.
وتقول فريديريك كاريار رئيسة استراتيجيات الاستثمار في آر.بي.سي لإدارة الثروات، إن هناك قاعدة عامة يستخدمها كبير الاقتصاديين في الشركة، من واقع خبرته، تقول إن صدمة النفط يجب أن تستمر بين ثلاثة وستة أشهر لكي يظهر لها تأثير مستدام على التضخم.
وتضيف “لم نصل بعد إلى تلك المرحلة، لكننا سنصل إليها قريبا”، موضحة أن شركتها تتخذ موقفا محايدا تجاه الأسهم، لكنها تفضل الاستثمارات المرتبطة بالسلع، مثل الشحن والتخزين.
وقال جيف ويبستر، المدير التنفيذي لمجموعة جونفور، وهي شركة عالمية لتجارة السلع، خلال قمة فايننشال تايمز العالمية للسلع في أبريل نيسان، إن تجار النفط يجرون استعدادات ويختبرون الميزانيات تحسبا لسيناريو قد تصل فيه أسعار النفط الخام إلى ما بين 200 و300 دولار.
وأوضح أندرو تشورلتون، كبير مسؤولي الاستثمار في قسم الدخل الثابت العام بشركة (إم آند جي) إن “ما يثير الدهشة بعض الشيء هو فكرة أن الوضع سيتحول حتما إلى ركود تضخمي، أو أنه سيكون على ما يرام”.
وأضاف أن ذلك “يبدو تناولا ينطوي على قدر من التهاون”.
وقال إنه أصبح “أكثر ميلا (للإجراءات المحددة الفورية) التكتيكية” بدلا من التناول الاستراتيجي طويل الأجل فيما يتعلق بالدخل الثابت، بالنظر إلى الاختلافات بين البلدان أو منحنيات عوائد السندات الحكومية.
وتتزايد توقعات التضخم الاستهلاكي. وكذلك المؤشرات القائمة على السوق، مثل مقايضات التضخم، التي تظهر أن المستثمرين يتوقعون أن يبلغ التضخم في الولايات المتحدة حوالي 3.53 بالمئة في غضون عام واحد، وحوالي 2.75 بالمئة في غضون خمس سنوات، وهو ما يزيد عن هدف مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) البالغ اثنين بالمئة.
وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن هذه المؤشرات كانت أقرب إلى 2.4 بالمئة في فبراير شباط، قبل اندلاع الحرب. وتتشابه هذه الصورة مع الأوضاع في منطقة اليورو وبريطانيا.
وقالت لورا كوبر، محللة الاستثمار في شركة نوفين، إن شركتها لا تزال تستثمر في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي نظرا لجاذبية أرباحها، لكنها توازن ذلك باستثمارات في “شركات ذات توزيعات أرباح مُتنامية” والبنية التحتية والأصول الحقيقية مثل العقارات وشركات تعدين الذهب كوسيلة للتحوط ضد المخاطر.
* هل الاتجاهات طويلة الأجل معرضة للخطر؟
مهما بلغ حجم الاضطراب، تعيد الأسواق تقييم المخاطر المرتبطة به في نهاية المطاف، وتتكيف سلاسل التوريد، وتهدأ التقلبات، ويعود المستثمرون لتركيز اهتمامهم على الاتجاهات الكبرى طويلة الأجل.
وقال باراس جوبتا، الذي يدير محافظ استثمارية تقديرية للأفراد ذوي الثروات الضخمة في آسيا لصالح (يو.بي.بي) في سنغافورة “لن تعرف أن الأمر أصبح يمثل منعطفا (ونقطة تحول) حتى يتفاعل السوق معه”.
وأضاف “علينا فقط أن ننتظر ونرى ونتحلى بالمرونة. الكل في حالة ترقب”.
ويقول المحللون إن الخطر الرئيسي في الأزمة الإيرانية يكمن في التحولات طويلة الأمد.
وفي أقل من 18 شهرا، أحدثت إدارة ترامب تغييرات جذرية في مشهد التجارة العالمية والعلاقات الدولية، مما أدى إلى مستويات غير مسبوقة تقريبا من عدم اليقين بشأن موثوقية أمريكا كشريك اقتصادي وأمني.
وقالت تينا فوردهام، مؤسسة شركة الاستشارات الاستراتيجية السياسية (فوردهام جلوبال) “الأمر يتعلق بشيء أكبر من مجرد (السؤال) متى ستنتهي الحرب، بل يتعلق بكيفية تطور ’الشرخ’ أي التحول في السياسة وكذلك في المواقف العامة”.
وأضافت “عندما تهب رياح المخاطر الجيوسياسية على الأسواق المالية و(تبدأ) في التأثير، يكون قد فات أوان محاولات التخفيف من حدتها”.

