“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد فاضل الفقيه
لم يعد النظام الرأسمالي المعاصر مجرد بنية اقتصادية للتبادل والربح، بل تحوّل إلى “ثيوقراطية مادية” تمتلك القدرة على شرعنة القتل وتبرير الفناء تحت مسميات براقة. إن ما نشهده اليوم من تصدعات عميقة في جدار هذه المنظومة العالمية ليس نذيراً بانهيارها التلقائي، بقدر ما هو “مختبر” جديد لعمليات ترميم خادعة؛ حيث يُعاد تدوير الأزمات والحروب لتصبح وقوداً لاستمرارية الهيمنة [1].
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في توحش النظام فحسب، بل في تلك “العمليات العلاجية” التي تُسوّق كحلول إنقاذية، بينما هي في جوهرها استنزاف لما تبقى من كرامة إنسانية. لقد نجحت الرأسمالية في جعل “التضحية” بالشعوب وبمستقبل الكوكب فعلاً “مشروعاً” وقانونياً، بل ومقبولاً سيكولوجياً كقدرٍ لا مفرّ منه [2].
أولاً: هندسة الخداع.. حينما يصبح الدم وقوداً للترميم
إن أولى خطايا النظام الرأسمالي في تعامله مع “تصدعاته” هي قدرته الفائقة على تحويل الكارثة إلى فرصة استثمارية. فالحرب، في المنطق الرأسمالي، ليست “فشلاً” للدبلوماسية، بل هي عملية “تدمير خلاق” [3] تفتح أسواقاً جديدة للسلاح وإعادة الإعمار.
هنا يبرز الخداع في أبهى صوره؛ إذ يتم تصوير “آلات القتل” كأدوات لحماية السلم، وتصوير “ديون الإعمار” كمنح إنقاذية، بينما الحقيقة أن الشعوب المنكسرة هي من تدفع ثمن الرصاصة وثمن الضمادة معاً [4]. هذا الترميم لا يستهدف إصلاح الاختلالات الهيكلية، بل يستهدف “حقن” النظام بجرعات إضافية من الهيمنة عبر قوننة الاستلاب، وخصخصة الأرباح، وتأميم الخسائر [5].
ثانياً: سوسيولوجيا الانكسار.. تبديد المعنى في محرقة المادة
يتجاوز الانكسار حدود الاقتصاد ليضرب “النواة الوجودية” للإنسان. إن النظام الرأسمالي يعمد إلى تفكيك المجتمعات وتحويلها إلى “ذرات” قلقة ومنعزلة تحت وطأة “الحداثة السائلة” [6]. فالمجتمع الذي يعيش حالة “انتظار” دائمة للانكسار القادم يفقد قدرته على التضامن، ويغرق في “سوسيولوجيا الانكسار”.
إن “شرعنة التضحية” تتغذى على الفراغ الروحي والقيمي؛ فعندما يتم إفراغ الإنسان من محتواه الوجداني وتحويله إلى مجرد “ترس” أو “بيان رقمي” [7]، يصبح من السهل تبرير سحقه تحت عجلات الضرورة الاقتصادية. إننا نعيش حالة من “الاغتراب الجماعي”، حيث يُنتزع الإنسان من سياقه التاريخي ليجد نفسه وحيداً يبحث عن أمان زائف في نظام هو نفسه مصدر الخوف والقلق.
ثالثاً: من وعي الأزمة إلى ثورة المعنى.. خارطة الخروج
إن الخروج من نفق “الترميم الرأسمالي” يبدأ من استعادة “السيادة على الوعي”. إن الخطوة الأولى هي رفض “الواقعية الرأسمالية” التي توهمنا باستحالة البديل [8]. إن الوعي البديل هو الذي يجرؤ على القول بأن “الإنسان هو الغاية”، وأن أي نظام يقتات على الحروب هو نظام فاقد للشرعية الوجودية.
إن دور النخبة الفكرية اليوم ليس في تقديم حلول “تقنية” لنظام متهالك، بل في اجتراح لغة جديدة ترفض الانصياع لمنطق السوق، وتبحث عن نماذج تشاركية تعيد صياغة مفهوم الثروة بعيداً عن هوس النمو اللانهائي [9].
الخاتمة: صرخة من قلب الانكسار
ختاماً، إن التصدعات الحالية ليست مجرد شقوق عابرة، بل هي صرخات مكتومة لضحايا هذا النظام. إن اللحظة الراهنة هي “لحظة الحقيقة”؛ فإما أن نستسلم لمقصلة النظام التي تذبحنا باسم الإنقاذ، أو أن نجعل من هذا “الانكسار الحاد” فجوة ينفذ منها نور الوعي البديل.
إن التغيير الحقيقي يبدأ حين نرفض أن نكون “أدوات ترميم” لنظام يصنع فناءنا، ونقرر—بكل شجاعة الألم—أن نبني عالماً لا تكون فيه الحرب “صناعة”، ولا يكون فيه الإنسان “سلعة”.
الهوامش والمراجع:
[1] جيجك، سلافوي (2023). في انتظار الكارثة.
[2] بيكيتي، توماس (2024). الزمن والقدر: دروس من أزمات العقد الحالي.
[3] شومبيتر، جوزيف (1942). الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية (مفهوم التدمير الخلاق).
[4] إقليمس، جورج (2018). اقتصاديات الدم: المجمع الصناعي العسكري.
[5] هارفي، ديفيد (2005). تاريخ موجز للنيوليبرالية.
[6] باومان، زيجمونت (2000). الحداثة السائلة.
[7] زوبوف، شوشانا (2023). رأسمالية المراقبة وتفتيت الوعي.
[8] فيشر، مارك (2009). الواقعية الرأسمالية: هل من بديل؟
[9] هيكل، جيسون (2021). الأقل هو الأكثر: كيف سينقذ خفض النمو العالم.

