“صحيفة الثوري” – (كتابات):
اللواء علي حسن زكي
إن جريمة اغتيال التربوي والقيادي في حزب الإصلاح الدكتور عبدالرحمن الشاعر تُعد جريمة إرهابية مكتملة الأركان ومدانة بكل المقاييس، طالت حياة مواطن مسلم وأزهقت روحه المعصومة بدم بارد، بفعل إطلاق وابل من النيران عليه أرده قتيلاً في الحال. وما هي أيضًا إلا جريمة منظمة، طالما تم تنفيذها من قبل عصابة إرهابية تستقل سيارة، وظلت تلاحقه حتى وصوله إلى مقر عمله في مدارس النوّرس بالمنصورة، ونزوله من سيارته، وترجل الفاعلون من سياراتهم ونفذوا الجريمة ولاذوا بالفرار، وفقًا لما أعادت نشره صحيفة “الأيام” الغراء في عددها ليوم الأحد 26 إبريل الحالي تحت عنوان: “مقتل تربوي وقيادي إصلاحي يثير مخاوف من عودة شبح الاغتيالات في عدن”.
واللافت أن يتم تنفيذ الجريمة تحديدًا في مدينة عدن المدنية والحضرية، ومدينة تعايش الأجناس والأديان، وأهلها المسالمين. إن خطورة تلك الجريمة تأتي أيضًا من كونها مؤشرًا لعودة الإرهاب وخلاياه وعناصره وجرائمه في استهداف القيادات العسكرية والمدنية وذوي العقول الوازنة، الذين سبق أن شهدت عدن ولحج ومناطق أخرى محاولات لاغتيالهم بهدف إفراغ الجنوب من كفاءاته، دون أن تشهد تفاعلاً وإدانات على غرار هذه الجريمة، رغم أهميتها.
كما تمثل الجريمة جرس إنذار على عودة سيناريو جرائم الاغتيالات الإرهابية. وهناك فجوة أمنية يتعيّن تجسيرها، بعد أن نتج عنها تراجع في تتبع الإرهاب وخلاياه وعناصره بشكل عام، قياسًا بما كان عليه التتبع قبل أحداث مطلع العام الجاري.
وعلى الصعيد السياسي، من اللافت أيضًا أن تأتي تلك الجريمة تزامنًا مع توجيه استفسارات أمريكية لقيادة حزب الإصلاح، وفي سياق توجه أمريكي لتصنيفه منظمة إرهابية ضمن تصنيف أوسع لمنظمات أخرى في غير بلد عربي. ويتزامن ذلك مع تسليم الجوف للحوثي، وكذلك تهديد محلي إصلاحي بتسليم ما تبقى من مديريات مأرب وربما تعز أيضًا للحوثي في حال تصنيف الحزب منظمة إرهابية، في ظل رفض الحوثي لتصنيف الإصلاح منظمة إرهابية، رغم ما بينهما من خصومة سياسية.
وعودة إلى الجريمة الإرهابية، يكون من المفيد القول بأهمية النأي عن أي تفكير في توظيف واستخدام الأرواح والدماء المعصومة في المكايدات السياسية وكأداة لاتهام الخصوم وتصفية الحسابات.
وفي سياق متابعة الجريمة، فإن الضرورة تقتضي أن تضطلع الأجهزة الأمنية بالمزيد من تفعيل دورها، ليس فقط في متابعة وملاحقة الفاعلين في جريمة اغتيال الدكتور عبدالرحمن الشاعر، وسرعة ضبطهم ومساءلتهم وفقًا للشرع والقانون، وإعلان النتائج للرأي العام بكل شفافية لإزالة أي التباسات أو محاولات للتضليل، فضلاً عن تقديمهم أمام القضاء ليقول كلمته الفصلية بالإجراءات المستعجلة، ولكن أيضًا في تتبع ورصد الإرهاب وخلاياه وعناصره المفترضة أينما وجدت، وكشف الجريمة بصورة عامة قبل وقوعها، طالما كان ذلك جوهر الوظيفة الأمنية ولب عقيدتها، وهو ما لا يمكن أن يتحقق دون استبعاد المهنية الأمنية عن التجاذبات والخصومات السياسية.
وفي مجرى التحري والتتبع الأمني للفاعلين في تنفيذ الجريمة الإرهابية، حين يكون الفاعلون مجهولين، فإن الأصل في العمل الأمني أن تبدأ التحريات والمتابعة من نقطة “من المستفيد؟” واتساقًا مع أي مؤشرات أو خيوط أخرى ذات أهمية برزت أثناء المتابعة.
إن تحقيق كل ما سبق ذكره، بقدر ما يقتضي توحيد وتكامل جهود الأجهزة الأمنية، فإنه يقتضي أيضًا ارتفاع وعي المواطن، وارتقاء الوعي المجتمعي والسياسي والمدني والمهني والإعلامي والصحفي، والناشطين في منصات ومواقع التواصل الاجتماعي، في التوعية بأهمية إسناد الجهد الأمني بالمجتمع، باعتبار أن الأمن أمن الجميع وللجميع، والحفاظ عليه مسؤولية مشتركة لكل فرد.

