صحيفة الثوري – التايمز اللندنية:
احتجزت إيران الاقتصاد العالمي رهينةً لأسابيع، فقد أظهرت الجمهورية الإسلامية قدرتها على إغلاق أهمّ ممرّ نفطي في العالم، ورفع أسعار الطاقة، واستغلال موقعها الجغرافي كورقة ضغط في المفاوضات مع قوة عظمى.
وعندما أعادت فتح مضيق هرمز يوم الجمعة، ابتهجت الأسواق في الغرب، إذ اعتقدت أن العودة إلى الوضع الطبيعي قد تكون في متناول اليد، غير أنّ إعادة بناء المنازل والبنية التحتية المدمّرة داخل إيران ستستغرق وقتًا أطول بكثير، وكذلك استعادة ثلث إنتاجها من الصلب الذي دُمّر نتيجة الضربات على المصانع.
وأعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أنّ “جميع السفن التجارية” يمكنها العبور عبر هرمز، الأمر الذي أثار ردّ فعل فوريًا من المتشدّدين الذين اتهموه بالتفريط في أهمّ ورقة تمتلكها إيران.
ونشر حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كيهان المحافظة، رسالة مفتوحة طالب فيها عراقجي بـ«التراجع» عن القرار، وكتب مخاطبًا الوزير: “لماذا قررنا فتح هذا المضيق تحديدًا في اللحظة التي حاصرنا فيها العدو وأغلقنا طريق تنفّسه؟”، ووجّه إليه الخطاب بعبارة “الأخ العزيز”.
حتى وكالة فارس شبه الرسمية، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، انتقدت فشل الحكومة في شرح القرار، وقالت إن “المجتمع الإيراني دخل في حالة من الضبابية والارتباك”، مطالبة المسؤولين بتوضيح “سبب الصمت” إذا كانت الشفافية تخدم المصلحة الوطنية.
وتشير هذه الانتقادات العلنية غير المعتادة من وسائل إعلام موالية للنظام إلى قلق أعمق بشأن فقدان السيطرة بعد أربعين يومًا من الحرب التي بلغت خسائرها نحو 200 مليار جنيه إسترليني.
واندلعت احتجاجات واسعة عندما هبط الريال إلى مستوى قياسي مقابل الدولار في أواخر ديسمبر، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة في مختلف أنحاء البلاد، وسرعان ما تحولت تلك الاحتجاجات إلى تظاهرات مناهضة للنظام، ما دفع السلطات إلى حملة قمع أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص، ومنذ ذلك الحين ازدادت الأوضاع سوءًا، إذ تعادل أضرار الحرب ما لحق بالاقتصاد من عقوبات نفطية خلال 26 عامًا، بحسب وسائل إعلام إيرانية.
وتواجه إيران وضعًا شبه مستحيل: إعادة بناء اقتصاد محطم، وفي الوقت نفسه إثبات أن إغلاق مضيق هرمز، أقوى أوراقها في الحرب، حقق مكاسب حقيقية تستحق الثمن الكارثي الذي دفعته.
ويقول اقتصاديون إن لدى طهران احتياطيات من العملات الأجنبية تكفي لبضعة أشهر لتمويل الواردات الطارئة بالمعدلات الحالية، بشرط أن تعطي الحكومة الأولوية للغذاء والدواء بدل الاحتياجات الصناعية.
وتخفف إعادة فتح المضيق الضغط الفوري لكنها لا تحل المشكلة الأساسية، فإيران تحتاج إلى واردات مستمرة من مواد البناء والغذاء والمكونات الصناعية، وهو ما يتطلب إيرادات نفطية أو أصولًا مجمّدة يجري الإفراج عنها.
وقد أعلن دونالد ترامب أن الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية سيستمر “بكامل قوته حتى يكتمل اتفاقنا مع إيران بنسبة 100%”، ما يعني أن إعادة فتح المضيق منحت طهران وقتًا لالتقاط الأنفاس، لا تعافيًا اقتصاديًا.
وتستورد إيران نحو 40% من غذائها، بما في ذلك القمح والأرز والزيوت النباتية واللحوم، كما تعتمد شركات الأدوية على مواد خام مستوردة لإنتاج 70% من الأدوية، وتحتاج المصانع إلى قطع غيار للآلات ومواد كيميائية ومكونات مستوردة، وإذا عجزت إيران عن استئناف الواردات، فسترتفع أسعار الغذاء أولًا، ثم ستظهر أزمة نقص الأدوية مع نفاد مخزون المواد الأولية.
ويقول محللون إن إيران تستطيع تحمّل توقف كامل في صادرات النفط لمدة تصل إلى شهرين قبل أن تضطر إلى تقليص الإنتاج، وتشير تقديرات شركة (إف جي إي نيكسانت إي سي إيه) الاستشارية إلى أن لدى إيران قدرة تخزين بري للنفط الخام تبلغ نحو 90 مليون برميل من أصل طاقة إجمالية تبلغ حوالي 122 مليون برميل.
قال علي أنصاري، مدير معهد الدراسات الإيرانية في جامعة سانت أندروز، إن اضطرار إيران إلى إغلاق آبار النفط سيجعلها عاجزة عن التصدير وستنفد قدرتها على التخزين، وأضاف: “لا يمكن تشغيل اقتصاد من دون مال. سيتعين عليهم التوصل إلى نوع من الاتفاق. فالوضع الاقتصادي سيئ للغاية، وأعتقد أن الناس يستهينون به. الجميع يفترض أن الإيرانيين قادرون على تحمّل الألم أكثر منا، لكن مستوى الألم مختلف تمامًا”.
وسيتولى الحرس الثوري الإيراني جزءًا كبيرًا من عملية إعادة الإعمار، ويُقدَّر أن الجنرالات يسيطرون على نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي عبر شبكة من الشركات الواجهة والمؤسسات الخيرية والملكية المباشرة في قطاعات الاستيراد والتصدير والبناء والاتصالات والبنية التحتية للطاقة.
ويوفر هذا الاقتصاد الموازي قدرًا من المرونة؛ إذ يمكن لسلاسل الإمداد في السوق السوداء أن تستمر في العمل حتى عندما يتوقف النشاط التجاري الرسمي، فشبكات التهريب التابعة للحرس الثوري سبقت الأزمة الحالية بعقود، وستواصل نقل السلع عبر العراق وتركيا وباكستان وبحر قزوين حتى بعد انهيار التجارة البحرية الرسمية.
لكن هيمنة الحرس الثوري تعني أيضًا أن أعباء الحصار ستتوزع بصورة غير متكافئة، فالجنرالات والنخب المرتبطة بهم سيحصلون على السلع النادرة عبر قنوات مميّزة، في حين سيواجه الإيرانيون العاديون نقصًا وتقنينًا وارتفاعًا في الأسعار.
ويبرر الحرس الثوري موقعه الاقتصادي بالتضحيات في زمن الحرب والدفاع عن الوطن، غير أنّ حماية مصالحه في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون قد تقوّض شرعية النظام، وهو ما حذرت منه وكالة فارس عند انتقادها صمت الحكومة بشأن إعادة فتح هرمز.
ويرى أنصاري أن بعض عناصر الحرس الثوري قد يكونون مستعدين لترك البلاد “تغرق”، لكن حتى الجنرالات لا يستطيعون العمل من دون أموال، وهم أنفسهم قد يخسرون أصولًا كبيرة، بما في ذلك ممتلكاتهم في دبي، إذا استمرت الأزمة الاقتصادية.
وقد تدفع المصالح المالية للحرس الثوري، نحو تسوية مع الولايات المتحدة أسرع مما توحي به الاعتبارات الأيديولوجية أو ضغط الشارع الغاضب.
فقبل الحرب، كانت شركتا فولاذ خوزستان في الجنوب و مباركة للصلب في أصفهان تنتجان معًا ما يقرب من ثلث إنتاج البلاد من الصلب، لكنهما تعرضتا لأضرار جسيمة نتيجة الضربات الأمريكية، ما أحدث تأثيرًا متسلسلًا في الصناعات المرتبطة مثل البناء والتصنيع وصناعة الأجهزة والسيارات، ويعمل في قطاع الصلب أكثر من 5.5 مليون إيراني بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
كما تضررت مجمعات البتروكيماويات في ماهشهر وعسلوية، التي كانت تولد إيرادات تصدير غير نفطية بلغت 18 مليار دولار عام 2023، وقد تبخرت تلك الإيرادات.
وتعرضت عدة مصافٍ للنفط والغاز لأضرار، كما ضُربت منشآت تخزين الوقود في محافظة طهران، ما اضطر السلطات إلى فرض تقنين واستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية.
وتضرر أو دُمر 99,878 مبنى سكنيًا وتجاريًا في أنحاء البلاد ، وأعلنت الحكومة حوافز لإعادة الإعمار، مثل السماح بزيادة الكثافة العمرانية وإعفاء الرسوم الهندسية وتقديم تصاريح بناء مجانية، لكن ذلك يفترض توفر مواد البناء عبر الاستيراد.
إن إعادة فتح مضيق هرمز تساعد لكنها لا تحل المشكلة، فإيران تحتاج إلى واردات ضخمة من الصلب والإسمنت والزجاج والأسلاك الكهربائية ومعدات السباكة، وهي سلع ضخمة تتطلب النقل البحري بكميات لا تستطيع الطرق البرية تعويضها، وستفرض السفن التي تخاطر بكسر الحصار الأمريكي أسعارًا مرتفعة، بينما سترفض شركات شحن كثيرة نقل البضائع الإيرانية أصلًا.
ومعظم التجارة الإيرانية يتم عبر البحر، فمع أن الحدود البرية مع العراق وتركيا وأفغانستان وباكستان ودول آسيا الوسطى تستوعب نحو 49% من الصادرات غير النفطية، فإنها لا تستطيع تعويض النقل البحري للسلع الثقيلة مثل الصلب والإسمنت بالكميات التي تتطلبها عملية إعادة الإعمار.
وقال المحلل الإيراني سعيد برزين إن فكرة انهيار النظام ليست واقعية في الظروف الاقتصادية الحالية، وأوضح أن الجمهورية الإسلامية “خضعت لعقوبات قاسية لسنوات طويلة واعتادت عليها”، وأضاف أن النظام قضى سنوات يخطط لتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، وأنه قادر على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات.
لكن إذا كان معيار النجاح هو إضعاف إيران وإفقارها بدل إسقاط النظام، فقد يستمر الصمود أشهرًا أو حتى سنوات، كما أشار برزين إلى عامل غالبًا ما يستخف به صناع القرار في الغرب: فالهجوم العسكري الخارجي يميل إلى توحيد المجتمعات بدل تفكيكها، وقال: “رغم أن القاعدة الاجتماعية للنظام ضعفت، فإنه ما زال يحتفظ بنواة صلبة في المجتمع يعتمد عليها. كما أن الهجوم العسكري الأجنبي وما يجلبه من موت ودمار يعزز المشاعر الوطنية ويقرب الفصائل السياسية المختلفة من بعضها”.
لكن احتجاجات يناير التي اندلعت في البازار الكبير بطهران تشير إلى اتجاه مختلف، فعندما يفقد التجار الذين دعموا الجمهورية الإسلامية لعقود صبرهم، يبدأ العقد الاجتماعي للنظام في التآكل، واليوم يضطر هؤلاء التجار إلى التعامل مع قرار إعادة فتح المضيق الذي يراه المتشددون استسلامًا مبكرًا، في حين تظل إعادة الإعمار مستحيلة تحت الحصار المستمر.
ويشكل احتمال أن يؤدي الألم الاقتصادي إلى تعبئة فئات محافظة تقليديًا تهديدًا مختلفًا عن احتجاجات الشباب في المدن وهو تهديد لا يستطيع النظام تجاهله باعتباره احتجاجًا مدفوعًا من الخارج، ويعكس طلب شريعتمداري العلني من عراقجي التراجع عن قرار هرمز هذا القلق.
وتحتاج طهران إلى وقف إطلاق نار طويل لبدء إعادة الإعمار واستعادة صادرات النفط والوصول إلى الأصول المجمّدة، لكن قبول شروط دبلوماسية غير مواتية قد يقوض شرعية النظام ويشجع المعارضة الداخلية.
ولا يستطيع المسؤولون الاعتراف بأن الضغط الاقتصادي نجح من دون أن يظهروا بمظهر الضعف، كما لا يستطيعون تجاهل أن إعادة الإعمار تتطلب إما عائدات نفطية يمنعها الحصار، أو مساعدات خارجية تعرقلها العقوبات.
لقد لعبت إيران أقوى أوراقها واكتشفت أن النفوذ من دون نصر يعني فقط اختيار نوع الألم الاقتصادي الذي ستتحمله، وقال أنصاري إن الولايات المتحدة “ستدعم على الأرجح وقف إطلاق نار طويل، لأن الوضع القائم يصب في مصلحة موقعها التفاوضي”.
في الوقت الراهن لا تعيد إيران بناء شيء، فمضيق هرمز عاد مفتوحًا، لكن الحصار الأمريكي على الموانئ مستمر، أما تجار البازار الذين انتفضوا في يناير فيحسبون كم من الوقت يمكنهم الاستمرار في أعمالهم.
لقد توقفت الحرب بعد أربعين يومًا، لكن الحصار الاقتصادي مستمر، وعلى إيران أن تقرر ما إذا كان سلاح هرمز حقق ما يكفي لتبرير الثمن الذي دفعته.

