صحيفة الثوري- خاص
تحليل/ خليل الزكري
في صورة تبدو للوهلة الأولى بروتوكولية، يتوسط فيها السفير الأمريكي لدى اليمن ستيفن فاجن، هاني علي سالم البيض واللواء أحمد سعيد بن بريك، وبين علمين؛ الأمريكي واليمني.
غير أن ما وراء هذه اللقطة يتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى ما يمكن تسميته بالتحرك المحسوب لإعادة قراءة أحد أكثر ملفات الأزمة اليمنية تعقيدا.
اللقاء، الذي عقد مطلع الأسبوع الجاري، كما ورد في تغريدة لهاني البيض، على منصة “إكس” تناول دعم مؤسسات الدولة، وتعزيز دور مجلس القيادة الرئاسي، وتحسين الأوضاع المعيشية، إلى جانب التأكيد على الأمن في المحافظات المحررة، ومكافحة الإرهاب، ودعم السلطات المحلية، مع إيلاء اهتمام خاص بحضرموت. كما شدد على أهمية الحوار الجنوبي–الجنوبي ضمن نهج متدرج ومسؤول.
هذه العناوين، رغم طابعها العام، تفتح الباب لقراءة أعمق، لجهة طبيعة المقاربة الأمريكية في هذه المرحلة، بالتزامن مع ما تشهده المنطقة من تعقيدات وتوترات متصاعدة، إثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران.
لا يحمل أي من الحاضرين في اللقاء مع السفير الأمريكي، صفة رسمية أو تمثيلية شاملة للجنوب، كما أن اللقاء بطبيعته لا يندرج ضمن مسار تفاوضي معلن، وهذا المعطى يشير إلى أن واشنطن تتحرك هنا ضمن سياسة توسيع دوائر الاستماع بدل حصر التواصل في القنوات الرسمية. ورغم أن اللقاء لا يمثل تحولا بحد ذاته، إلا أن قراءته في سياقه الأوسع تفتح دلالات تستحق التوقف.
وعادة ما تميل القوى الدولية، في البيئات المعقدة، إلى بناء صورة متعددة المصادر، عبر التواصل مع فاعلين رسميين وشبه رسميين، وذوي حضور اجتماعي أو رمزي. وهو ما يتيح فهما أوسع لتوازنات لا تعكسها دائما الهياكل السياسية القائمة.
فحضور هاني علي سالم البيض لا يمكن فصله عن الإرث السياسي والوطني المرتبط باسم علي سالم البيض، وهو إرث تشكل في سياق تحولات عميقة في مسار الحركة الوطنية، من الكفاح المسلح ونيل الاستقلال حتى تحول الجنوب من شريك في الوحدة إلى قضية سياسية مفتوحة أعقبت حرب صيف 1994.
ويكتسب موقع هاني البيض في هذا المشهد دلالة إضافية بالنظر إلى تركيبته الداخلية؛ فبينما يحمل الاسم ذاته امتدادا في المجلس الانتقالي الجنوبي عبر شقيقه عمرو البيض، الذي يحظى بدعم إماراتي معلن، يتبنى هاني خطابا يركز على حل القضية الجنوبية في إطار الدولة اليمنية الموحدة.
ويعكس هذا التباين داخل الأسرة الواحدة، على نحو مصغر، تعددية الخطاب الجنوبي ذاته، ويجعل من هاني البيض شخصية تتصل بالذاكرة السياسية للجنوب دون أن تكون أسيرة لمسار واحد، وهو معطى يفسح المجال لقراءته كمسعى لاستكشاف تيار جنوبي يتجاوز ثنائية الاصطفافات الحادة.
في المقابل، يمثل أحمد بن بريك فاعلا محليا ذا حضور سياسي وميداني لا يمكن تجاهله، خصوصا في حضرموت، بما يعكس ثقلا مرتبطا بالواقع أكثر من الذاكرة.
فالجمع بين هذين المستويين—الرمزي والتأثيري—يوحي بمحاولة قراءة الجنوب بوصفه بنية مركبة، تتمثل في ذاكرة سياسية لم تحسم، وواقع نفوذ لم يستقر بعد، في معادلة تجعل أي تمثيل أحادي عرضة للاهتزاز.
في هذا السياق، لا يعني الانفتاح على شخصيات خارج الإطار الرسمي بالضرورة تجاوز الكيانات القائمة، لكنه يعكس إدراكا بأن التمثيل السياسي في الجنوب ما يزال في طور التشكل.
فالمشهد الجنوبي يتوزع بين قوى منظمة تمتلك حضورا سياسيا وشخصيات ذات رصيد تاريخي أو اجتماعي، وتيارات تختلف أولوياتها باختلاف الجغرافيا. وفي سياق توسيع دوائر الاستماع الذي تمارسه واشنطن، يبرز هذا النوع من الشخصيات كقناة تتيح معاينة الجنوب من زاوية مركبة، تتداخل فيها الرمزية التاريخية مع الموقف السياسي الآني، وتتقاطع فيها الجغرافيا مع الانتماء الوطني، في توجه يبدو أقرب إلى استكشاف طبقات إضافية من المشهد الجنوبي قبل أن تستقر أي معادلة على صيغة تمثيلية نهائية.
هذا التعدد يدفع الفاعلين الدوليين إلى تجنب الرهان على قناة واحدة، والبحث بدلا من ذلك عن فهم أكثر شمولا لطبيعة التوازنات.
الإشارة إلى حضرموت كنموذج للاستقرار وإمكانات التنمية لا تبدو على أنها تعاطي شكلي. ففي الحسابات الدولية، تقاس الجغرافيا بقدرتها على الاستقرار، وموقعها في معادلات الطاقة والموانئ.
ومن هذا المنظور، تظهر حضرموت كمساحة، قابلة للاستقرار النسبي، ومرشحة للعب دور محوري في أي ترتيبات قادمة سواء ضمن الإطار الوطني القائم، أو في سياق صيغ أكثر لامركزية.
الإشادة بالدور السعودي، الذي خصه اللقاء، تعكس حقيقة أساسية، تتمثل في أن التحرك الأمريكي في اليمن لا يجري بمعزل عن السياق الإقليمي، ويتقاطع معه، خصوصا مع الرياض.
وكان قد سبق هذا اللقاء في التوقيت وصول هاني البيض إلى الرياض، وعقد سلسلة لقاءات منفصلة، ضمت السفير السعودي لدى اليمن وعضوين من مجلس القيادة الرئاسي(أبو زرعة المحرمي وعبد الله العليمي باوزير) ، إلى جانب قيادات جنوبية أخرى.
وإذ يضع هذا التسلسل الزمني التحرك الأمريكي في سياق أوسع من التنسيق الإقليمي، فإنه يشير إلى أن واشنطن تتحرك في هذا الملف ضمن مساحة تتوافق مع أولويات الرياض وتستند إلى أرضية قد سبق تهيئتها.
ويفرض هذا التداخل سقفا على أي انفتاح سياسي، بحيث يوازن بين استيعاب الفاعلين المحليين والحفاظ على استقرار المعادلة الإقليمية، وهو ما يفسر الطابع الحذر والمتدرج في إدارة الملف اليمني.
فمن خلال هذا اللقاء، يمكن رصد ملامح مقاربة تقوم على توسيع قنوات التواصل واختبار حدود التمثيل السياسي، واستكشاف إمكانيات التوافق داخل الجنوب
دون الانخراط في التزامات مباشرة أو تبني مسار نهائي.
بعبارة أخرى، لا يبدو أن الهدف هو إنتاج حل سريع، بقدر ما هو إدارة مسار معقد يتطلب وقتا وتراكما.
كما أن هذا اللقاء، لا يمنح شرعية جديدة، ولا يسحبها من أحد، لكنه يسلط الضوء على حقيقة قائمة: القضية الجنوبية ما تزال مفتوحة، وتمثيلها لم يستقر بعد على صيغة جامعة.
فبين رمزية التاريخ التي يمثلها اسم البيض، وواقعية الحاضر التي يجسدها فاعلون على الأرض، تتحرك واشنطن ضمن مساحة توازن دقيقة، تستمع أكثر مما تلتزم، وتستكشف أكثر مما تحسم.
وفي اليمن، نادرا ما تأتي التحولات الكبرى دفعة واحدة؛
لكنها تتشكل تدريجيا، عبر مثل هذه اللقاءات والترتيبات، قبل أن تتبلور في لحظة تبدو وكأنها النتيجة الطبيعية لمسار طويل من إعادة الترتيب.

