آخر الأخبار

spot_img

عبدالرحمن الحداد: قيثارة الشجن وحارس النغم الأصيل

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ محمد فاضل الفقيه

على عتبات الغياب، يقف الحزن صامتًا، وتتلعثم الكلمات وهي تحاول رثاء قامة لم تكن مجرد صوت، بل كانت نبضًا يسري في عروق الأرض. رحل عبدالرحمن الحداد، وانطفأت منارة من منارات الطرب الأصيل، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه إلا صدى صوته، الذي سيظل يتردد في أزقة المكلا وعلى شطآن حضرموت، كأنفاسٍ تأبى أن تفارق المكان.

كان الحداد يغني بقلبه قبل حنجرته؛ فكل بحّة في صوته كانت تحكي قصة وطن، وكل مدّةٍ في “دانه” كانت تجسد اغتراب الروح وبحثها عن مرافئ السكينة. لقد كان صوته يشبه، في مدّه وجزره، أمواج بحر العرب؛ يحمل في طياته صخب الشوق وهدوء الوداع، ويسكب على الرمال حكايا المراكب الراحلة التي لا تعود إلا بالذكريات. لم تكن أغانيه مجرد ألحان تُطرب الآذان، بل كانت ترانيم وجدانية تسافر بالمستمع إلى عوالم من الشجن النبيل؛ حيث يمتزج عبير الماضي بآلام الحاضر، وتلتقي دمعة الفراق بابتسامة الأمل.

لقد تجلت عبقرية الحداد في كونه الترجمان الأمين لفيض مشاعر الشاعر حسين أبوبكر المحضار؛ فكانت كلمات المحضار تجد في حنجرة الحداد مستقرها الأخير، فتتحول القصائد إلى كائنات حية تتنفس وجعًا وحبًا. غنى للحب فكان العاشق المتيم، وغنى للأرض فكان الابن البار، وغنى للرحيل وكأنه يمهد الطريق لرحيله المرّ؛ فترك في كل بيت غصّة، وفي كل زاوية طيفًا من شجن لا يغيب.

إن الفن، حين يخرج من أعماق الصدق، لا يموت؛ والحداد لم يرحل إلا ليقيم في ذاكرتنا إلى الأبد. سيظل صوته هو الأنيس في ليالي السهر، ولكل قلبٍ أضناه الحنين. ستبقى تلك النبرة الدافئة تحرس تراثنا من النسيان، وتخبر الأجيال القادمة أن هنا مرّ فنانٌ كان يحمل في حنجرته أصالة “حضرموت” بكل شموخها، ورقتها، وعنفوانها.