آخر الأخبار

spot_img

من فنزويلا إلى البحر العربي.. مصدر وممر في لعبة النفط الجديدة

“صحيفة الثوري” – خاص:

تحليل: خليل الزكري

التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، خلال أبريل 2026، بعد تعثر مفاوضات إسلام أباد بين إيران وأمريكا، وما تلى ذلك من تصعيد الحضور البحري الأمريكي في المنطقة وفرض قيود مشددة على الملاحة مع حصار الموانئ الإيرانية، يتجه بمسار الطاقة العالمي نحو مرحلة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الجغرافيا مع القوة، وتصبح الممرات البحرية جزءً من معادلة السيطرة وإعادة تشكيل النفوذ.

وفيما كشفت التطورات التي شهدتها فنزويلا مطلع 2026 عن توجه أمريكي نحو إعادة ترتيب مصادر النفط، يكشف التحرك العسكري الأمريكي في البحر العربي وخليج عمان عن سعي مواز لإحكام السيطرة على مساراته. غير أن قراءة هذه التحركات كمجرد رد فعل على إيران يكشف جزءً فقط من الصورة.

الخليج في مرمى الرسائل غير المعلنة

صحيح أن الهدف المعلن يتمثل في احتواء طهران، بيد أن الهندسة العسكرية الأمريكية الجديدة تحمل في طياتها رسائل موجهة إلى جهات أخرى.

تجد دول الخليج العربي، الحليف التقليدي لواشنطن، نفسها اليوم في موقع مختلف؛ فالسيطرة على الممرات التي تمر عبرها صادراتها النفطية تعني أن الحماية الأمريكية تتحول إلى أداة ضغط دائمة التجديد، بعد أن كانت كخدمة ضمن التحالف.

ويمكن قراءة الرسالة الأمريكية غير المعلنة على أنها تقول: مسار نفطكم يمر عبر مناطق تخضع لإرادتنا، واستمرار تدفقه يرتبط باستمرار توافقكم مع توجهاتنا.

ويحمل إعلان القيادة المركزية الأمريكية فرض قيود مشددة على الملاحة في المنطقة دلالات تتجاوز البعد الأمني المباشر.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، بينما يمر قرابة 10 إلى 12 بالمئة عبر باب المندب؛ فهذه الأرقام تمنح أي وجود عسكري في هذه المساحات وزنا يتجاوز الجغرافيا إلى التأثير المباشر في استقرار الأسواق العالمية.

في هذا السياق، تكتسب السواحل المطلة على البحر العربي، وخاصة في اليمن، أهمية متصاعدة؛ فالموقع يمنح قدرة على التأثير في مسارين حيويين، أحدهما يتجه شمالا نحو البحر الأحمر، والآخر يمتد شرقا نحو المحيط الهندي.

ويضع هذا الامتداد المنطقة ضمن نطاق اهتمام القوى الكبرى التي تسعى لضمان تدفق الطاقة دون انقطاع.

لكن السعي إلى ضمان التدفق لا يعكس الهدف الكامل؛ إذ يبدو أن ما يجري هو إعادة بناء للنفوذ بطريقة تجعل الوجود الأمريكي في المنطقة مستداما وليس مؤقتا.

إيران.. عدو مفيد أم شريك؟

في هذا السياق، تتحول إيران، تحت القيود المشددة، إلى ما يشبه “عدو مفيد” يبرر استمرار القواعد العسكرية وحجم التسليح البحري.

فبدون تهديد إيراني، يختفي المبرر الأهم لبقاء الأسطول الخامس في المنطقة بهذه القوة.

وهنا قد لا تسعى لعبة الضغط على طهران إلى حسم نهائي، أكثر ما تتجه إلى إدارة صراع دائم يبقي المنطقة في حاجة متزايدة إلى الحماية الأمريكية، ويعيد تعريف مفهوم “التحالفات” على أساس ما يشبه كلفة حماية جيوسياسية غير مباشرة وليس المصالح المشتركة.

فالتحرك الأمريكي في فنزويلا يرتبط بهذه الصورة الأوسع، حيث تمثل احتياطيات النفط هناك، التي تقدر بأكثر من 300 مليار برميل وفق بيانات دولية، رافعة محتملة لإعادة توزيع مصادر الإمداد.

في المقابل، تشكل الممرات البحرية الممتدة عبر البحر العربي وباب المندب أداة للتحكم في حركة هذا النفط وغيره من الإمدادات القادمة من الخليج.

ثلت طاقة الصين تحت التهديد

ثم تأتي الصين على رأس قائمة المستهدفين غير المعلنين، حيث تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية، إلى أن الصين تستورد ما بين 33 إلى 35 بالمئة من إجمالي استهلاكها عبر ممرات الخليج والبحر العربي وباب المندب.

وتعني هذه النسبة، أن تعطيل هذه الممرات أو حتى التهديد بتعطيلها، يمس مباشرة قدرة الاقتصاد الصيني على الاستمرار.

ويبدو أن واشنطن تسعى فقط إلى امتلاك القدرة على التهديد بالتعطيل، كورقة ضغط دائمة الحضور في مفاوضات تايوان، أو في ملفات التكنولوجيا والديون.

فإعادة ترتيب المصادر النفطية عبر فنزويلا، والسيطرة على الممرات عبر البحر العربي وخليج عمان، قد يمنحان أمريكا أوراقا متعددة في مواجهة الصين، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

وتعكس تصريحات دونالد ترامب بشأن استمرار حصول الصين على النفط توجها لإدارة التوازنات بدل كسرها؛ فاستمرار التدفق لا يعني استمراره بالشروط القديمة، ما يجعل استقرار الإمدادات مسألة مركزية في علاقاتها الدولية.

ويدفع هذا الواقع نحو صياغة ترتيبات تضمن التدفق، مع إعادة ضبط مساراته ومراكزه.

في موازاة ذلك، تتقدم مشاريع بديلة لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية؛ فمشروع خط أنابيب البصرة إلى الدقم، الذي يهدف لنقل ما بين مليون إلى مليون ونصف برميل يوميا، يقدم نموذجا لاتجاه يسعى إلى ربط الإنتاج مباشرة بالبحر العربي.

ويعيد هذا النوع من المشاريع رسم الخريطة بهدوء، بعيدا عن الصخب السياسي، حيث تتجمع هذه المؤشرات ضمن مشهد واحد تتداخل فيه فنزويلا كمصدر، والبحر العربي كممر، واليمن كنقطة تماس جغرافي، والصين كهدف نهائي محتمل، ودول الخليج كطرف يعاد تعريف موقعه في التحالف.

وتتجه النتيجة نحو نظام طاقوي أكثر تشابكا، تتحكم فيه القدرة على إدارة الطرق بقدر التحكم في الحقول.

كما تتحول الجغرافيا في هذا المشهد إلى أداة تأثير مباشر، والطاقة تصبح مساحة تنافس مفتوح تتقدم فيها القوة بقدر ما تتقدم المصالح.

مقاربة مختلفة داخل المعسكر الغربي

وتفتح التحركات الأوروبية الأخيرة طبقة إضافية في فهم هذا المشهد المعقد، حيث تتشكل مقاربة مختلفة داخل المعسكر الغربي نفسه.

فالتصريحات الصادرة عن إيمانويل ماكرون، والتي أكدت التواصل مع كل من واشنطن وطهران والدعوة إلى استئناف المفاوضات، تعكس توجها أوروبيا يفضل احتواء التوتر عبر المسار السياسي، في وقت تتجه فيه واشنطن إلى تشديد أدوات الضغط البحري.

كما أن الدعوة الفرنسية البريطانية لعقد اجتماع مشترك حول مضيق هرمز، وبحث خيارات اقتصادية بديلة، تشير إلى محاولة صياغة دور أوروبي أكثر استقلالا في إدارة أمن الطاقة.

هذا التوجه لا ينفصل عن إدراك أوروبي لحجم الاعتماد على تدفقات النفط والغاز القادمة من هذه الممرات، حيث تمثل المنطقة أحد الشرايين الحيوية لاقتصادات القارة الأوروبية.

في هذا الإطار، تتبلور ملامح تباين هادئ داخل حلف شمال الأطلسي، حيث تميل بعض الدول الأوروبية إلى تقليل الانخراط المباشر في التصعيد، مع الحفاظ على مصالحها عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية.

هذا التباين يعكس اختلافا في تقدير المخاطر، أكثر مما يعكس قطيعة سياسية، غير أنه يفتح المجال أمام أدوار جديدة قد تعيد توزيع النفوذ داخل التحالف نفسه.

ويمتد هذا النمط إلى الإقليم، حيث تتجه دول مثل السعودية وعمان وقطر إلى إدارة التوتر عبر مزيج من التهدئة والحفاظ على قنوات التواصل، بما يحد من انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة.

هذه المقاربة تعكس تحولا في سلوك الحلفاء التقليديين، يقوم على تقليل كلفة التصعيد، دون التخلي عن مظلة التحالفات القائمة.

ضمن هذا المشهد، لا يبدو الصراع محكوما بخط انقسام واحد، بل بمجموعة خطوط متداخلة تعكس تباين المصالح وتعدد أولويات الفاعلين.

ويمكن قراءة هذا التداخل، في سياق أوسع، كمؤشر على تحول في بنية النظام الدولي؛ فبدلا من مركز واحد، تتشكل مراكز تأثير متعددة.

وهذا التحول لا يعني نهاية فورية للقطب الواحد، بقدر ما يعكس تآكلا تدريجيا في قدرته على فرض مسار واحد.

وتظهر هذه الديناميكية بوضوح في ملف الطاقة، حيث تنتقل السيطرة إلى القدرة على المناورة بين التحالفات وإدارة المخاطر، مما يحول التباين بين الحلفاء من حالة استثنائية إلى سمة بنيوية.

اقتصاد المخاطر في طرق النفط

يتشكل سوق النفط العالمي اليوم تحت تأثير عامل يتجاوز العرض والطلب، حيث يتمثل ذلك في تكلفة المخاطر المرتبطة بمسارات النقل.

فكل برميل يحمل معه، إلى جانب كلفة إنتاجه، تقديرا لاحتمالات التعطيل والتأخير والتصعيد العسكري.

وتمنح هذه المعادلة الجغرافيا وزنا ماليا مباشرا، كما تحول الممرات البحرية إلى عناصر تسعير قائمة بذاتها.

وهنا تظهر طبقة إضافية من التعقيد، فالسيطرة الأمريكية على البحر العربي وخليج عمان بقدر ما تؤثر على كلفة التأمين، قد تعيد توزيع “علاوة الخطر” بين دول المنطقة.

فالنفط الخليجي الذي يمر عبر هذه الممرات يتحمل كلفة إضافية، جزء منها يذهب لشركات التأمين الغربية، وجزء آخر يتحول إلى ما يشبه كلفة حماية جيوسياسية غير مباشرة تدفعها دول الخليج لواشنطن عبر صفقات تسليح واستثمارات.

في المقابل، قد يحصل النفط الفنزويلي، الذي بات تحت السيطرة الأمريكية المباشرة، على “علاوة أمان” نسبية تجعله أكثر تنافسية في بعض الأسواق.

في هذا السياق، يبرز تفاوت واضح بين المسارات البحرية؛ فالحضور العسكري في البحر العربي وخليج عمان يمنح هذه المسارات درجة أعلى من الضبط العملياتي، ما ينعكس في انخفاض نسبي لمستويات القلق لدى شركات الشحن.

بموازاة ذلك، يبقى مضيق هرمز مساحة حساسة ترتبط بتقلبات سياسية وعسكرية مستمرة، ما يرفع تقديرات المخاطر لدى الفاعلين في السوق.

وينتج هذا التفاوت ما يمكن وصفه بسلم للمخاطر، حيث تصنف الممرات إلى درجات غير معلنة.

وتكتسب بعض الخطوط صفة المسار المفضل نظرا لانخفاض احتمالات التعطيل فيها، بينما تتحمل مسارات أخرى علاوة مخاطرة تضاف إلى كلفة النقل.

وتعكس شركات التأمين البحري هذه الفروقات بشكل مباشر، وفق تقارير شركة لويدز لندن التي ترصد ارتفاع أقساط التأمين في مناطق التوتر، التي قد تصل في بعض الحالات إلى مضاعفة الكلفة خلال فترات التصعيد، ويمتد أثر ذلك إلى سلوك شركات الشحن والتجارة.

وتميل الناقلات إلى اختيار الطرق الأطول إذا كانت أكثر استقرارا، ما يزيد زمن الرحلة ويضيف كلفة تشغيلية إضافية. في الوقت نفسه، تعيد شركات التكرير حساباتها بناءً على استقرار الإمدادات، فتفضل الخام القادم عبر مسارات أقل خطورة حتى لو كان أعلى سعرا عند المنبع.

وتظهر انعكاسات هذا الواقع أيضا في الاستثمارات طويلة المدى، في حين تكتسب مشاريع خطوط الأنابيب التي تتجاوز نقاط الاختناق التقليدية جاذبية متزايدة، لأنها تختصر مستوى التعرض للمخاطر، وهو ما يمنحها قيمة اقتصادية تتجاوز حسابات الكلفة المباشرة.

الخلاصة التي يعززها هذا التحليل الموسع: ما يجري قد لا يكون مجرد تصعيد بحري ضد إيران، ولا مجرد تأمين لممرات النفط.

ويمكن قراءته كإعادة هيكلة جزئية لمنظومة الطاقة العالمية، تستهدف ثلاثة أطراف في وقت واحد:

• الأول إيران، عبر قطع طريق التهريب والضغط على اقتصادها.

• الثاني دول الخليج، عبر تحويل الحماية إلى أداة ضغط دائمة وإعادة تعريف التحالف.

• الثالث الصين، عبر مضايقة شريان الطاقة الذي يغذي 33 بالمئة من استهلاكها.

فنزويلا تقدم المصدر البديل، والبحر العربي يقدم الممر الخاضع للسيطرة، واليمن يقدم نقطة التماس الجغرافي التي تربط كل هذه الأطراف.

في المحصلة، يتشكل اقتصاد مواز داخل سوق الطاقة، يعيد توزيع القيمة بين المنتجين والناقلين والممرات البحرية.

وفي هذه المرحلة، يسعر النفط، إلى جانب جودته وكلفته، وفقا للطريق الذي يسلكه، ودرجة الأمان التي يوفرها ذلك الطريق.

بهذه الآليات، تدخل المخاطر إلى قلب معادلة التسعير، وتتحول من عامل طارئ إلى عنصر ثابت في حسابات السوق.

وتصبح كلفة الخوف رقما حاضرا في فواتير الطاقة، وتغدو الممرات البحرية فاعلا صامتا في تحديد السعر، لا يقل تأثيرا عن الحقول نفسها. وفي هذا المشهد، بقدر ما تتحرك ناقلات النفط، تتحرك معها خرائط النفوذ.