“صحيفة الثوري” – (كتابات):
قادري أحمد حيدر
في شتى تفاصيل سرديته الحياتية، سياسيةً كانت أم اجتماعية أم وطنية، لم أعهده يوماً يُلحق اسمه بلقب القرية أو المنطقة (العريقي)، بل كان يكتفي بـ “فاروق الحاج”.
لقد كان -وما يزال- يرى في اليمن، بأبعاده الثقافية والحضارية، بيته الأكبر ووطنه الأوحد، فهكذا خبرتُ ولاءه وانتماءه منذ ما يزيد على نصف قرن.
أخبرني مرة أنه التحق بكلية بلقيس عند افتتاحها في أكتوبر 1961م، ومكث فيها أقل من عام دراسي، ثم عاد مع قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م إلى شمال البلاد.
وُلِد في عام 1948م، واختطفه العمل السياسي في بداياته الباكرة، تحديداً منذ نهايات النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، دون أن يؤثر ذلك كثيراً على تحصيله التعليمي.
انخرط باكراً في العمل السياسي التنظيمي ضمن صفوف “حزب البعث العربي الاشتراكي”، حيث استقطبه الصديق الراحل مدهش علي ناجي الشرعبي، ليكون فاروق بدوره سبباً في كسب العديد من القامات للحزب، وعلى رأسهم الصديق الدكتور أحمد محمد شجاع الدين.
يُعد فاروق الحاج شخصية إنسانية مؤثرة وديناميكية، يمتلك عقلاً نقدياً هادئاً ومنفتحاً على آفاق الحياة.
كان من الطلاب الذين برزوا كقامات وقيم فكرية/سياسية في تعز الستينيات، ثم في جامعة صنعاء مطلع السبعينيات. تميز بكونه شخصية كفاحية مدنية، تميل بطبعها إلى الديمقراطية ولغة الحوار في شتى علاقاته السياسية والاجتماعية.
هو هادئ الطباع، بعيد عن المشاكسة والصدامية، لكنه في الوقت ذاته صلبٌ ومستميت في الدفاع عن قناعاته ورؤاه الفكرية والسياسية. هذا الطبع النبيل رافقه من ريعان شبابه حتى تجاوز الثامنة والسبعين، في زمنٍ أصبحت فيه المواقف السياسية عند البعض تتغير بتغير المناخات وتقلبات الطقس اليومية.
وبينما يغير الآخرون قناعاتهم كما يغيرون ملابسهم الداخلية، ظل فاروق ثابتاً، ولأجل هذا الثبات على فكرة وقضية التغيير، تجرع مرارة التعب في دروب الحياة الوعرة.
إنه وصحبُه ممن لا تسري عليهم مقولة “البعيد عن العين بعيد عن القلب”، فهو في غيابه الأقرب إلى الوجدان من حبل الوريد؛ شخصيةٌ تتعتق في الذاكرة اسماً ورسماً، وتتجلى ملامحها في تفاصيل يومنا المعاش.
قد يغيبون عن الأنظار، لكنهم يستوطنون الروح والقلب كقيمة ومعنى.
كان فاروق منذ النصف الثاني من الستينيات (1969م) من طليعة شباب “حزب العمال والفلاحين”، ثم غدا من الكوادر العليا التي أسست “حزب العمل اليمني” تحت قيادة الإنسان النبيل سيف أحمد حيدر، وصحبه.
يمثل فاروق الحاج روحاً إنسانية تأنف الظلم ولا تساوم على الخطأ. لا يميل إلى ردود الفعل الانفعالية المتسرعة، بل إن صمته وملامحه الهادئة هي التي تعلن رفضه القاطع للزيف.
قليل الكلام، لكنه لا يصمت حين يكون للكلمة ثمنٌ من ذهب؛ فهو ينحاز للهدوء الذي يمنح الكلمة والحرف وزناً وتأثيراً فيمن حوله. وفي أحيان كثيرة، تكون رؤيته الموجزة والعميقة كاشفةً لما ينقص المشهد؛ فيه ومعه تكتمل الصورة ويتحقق المعنى.
هو واحد من أجمل ما في ذاكرة جيلنا السياسي، وبحضوره تضيق مساحات الزيف والتملق والكذب. فاروق قيمة ثقافية وفكرية، والأهم من ذلك أنه قيمة أخلاقية في زمنٍ يتراجع فيه البعد الإنساني على كافة المستويات.
كان في مطلع السبعينيات من أكثر شباب جامعة صنعاء حيوية وتأثيراً في محيطه الصغير، ذلك أنه ليس شخصية جماهيرية تحريضية تعبوية بالمفهوم الميداني الواسع.
أعطى للبلاد الكثير، لكن دنيا السياسة الرسمية بخلت عليه حتى بإنصافه وظيفياً، وهو حقه الطبيعي والقانوني، ومع ذلك لم يشتكِ أحداً، كان وما يزال يعيش مادياً بما دون حد الكفاف، متسلحاً بقناعة “الصبر الاستراتيجي” على المكاره وتفاهات الواقع المعاصر.
لقد أحببتُ هؤلاء الأصدقاء الخُلص، وأستحضرهم دوماً في كتاباتي لأعوض ما أفتقده في زمن المتاعب هذا؛ فهم المعين الذي لا ينضب للكتابة عن الناس/الأصدقاء.. عن الحياة.
من خلالهم، أستردُ شيئاً من روحي التي تنهكها تفاصيل الأيام، ولأجل هذا أكتب عنهم.
لأنهم يستحقون الحياة بجدارة شرف الرؤية والموقف.
فاروق الحاج، بهذا الاسم المجرد كما يحب، هو من أنبل من جمعتني بهم دروب القراءة والكتاب.
عرفته عن قرب وبعد، فظل محتلاً مكانة رفيعة في ذاكرة الصداقة، حاضراً بطيبته وقوة المثال الأخلاقي الذي يجسده في سلوكه اليومي.
أحب المدن اليمنية قاطبة، وعاش في تفاصيلها الحميمة، حتى ضاقت به السبل ولم يجد مكاناً يستريح فيه سوى دار والده وأجداده في منطقة “الأعروق”، بعد أن انقطع عنه الراتب، مصدره الوحيد للعيش، لأكثر من عشر سنوات عجاف.
ورغم كل ذلك، ظل محتفظاً بكرامته الشخصية وقيمه العليا؛ فعنده كل الخسارات تعوض، إلا خسارة الكرامة الشخصية والوطنية، فهي لا تُستعاد ولا تُعار.
لك كل التحايا والسلام يا صديق العمر الجميل.. دمت بألف خير.

