آخر الأخبار

spot_img

حين تغرق شمس أيلول

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

عارف شكيب

لم تكن السيول هذه المرة مجرد ماء…
كانت شيئاً أثقل…
كأنها تحمل خيباتٍ قديمة، وتصبّها دفعةً واحدة في شوارع تعز.

طفلٌ صغير…
لا يعرف من “أيلول الكبير” إلا اسمه،
ولا من الثورة إلا أنه وُلد بعدها بزمن طويل،
كان يركض… يضحك… يطارد الحياة بطريقته البسيطة،
ثم… اختفى.

قيل: جرفته السيول،
وكأنها جملة عادية…
وكأن الذي جُرف لم يكن قلباً ينبض، ولا حلماً صغيراً، ولا مستقبلاً كاملاً.

في تلك اللحظة،
لم يغرق الطفل وحده…
غرقت معه أشياء كثيرة…

غرقت الطفولة التي لم تجد من يحميها،
غرقت الشوارع التي تُركت للماء بدل أن تكون طريقاً آمناً،
وغرق فينا سؤالٌ مرّ:
أيّ شمسٍ هذه التي تشرق في كتبنا… وتغيب في شوارعنا؟

من المسؤول؟
ليس السيل…
فالماء لا يخطط، ولا يهمل، ولا يسرق حق أحد.
المسؤول نحن…
كل من اعتاد هذا المشهد،
كل من مرّ بجانب حفرة وقال: “تمشي الأمور”،
كل من رأى مجرى مفتوحاً وقال: “ليس وقته الآن”.
المسؤول كل واقعٍ يجعل طفلاً يواجه السيول وحده…
بلا حماية، بلا بنية، بلا دولة.

نقول “شمس أيلول”…
نرددها بفخر،
لكننا اليوم رأيناها…
وهي تنطفئ في عين طفل،
وهي تُسحب مع جسده الصغير في مجرى سيلٍ لا يرحم.

أيّ انتصارٍ هذا…
إذا كان طفلٌ لا يجد رصيفاً يحميه؟
أيّ مجدٍ هذا…
إذا كانت ضحكةٌ تُطفأ بهذه السهولة؟

في تعز،
لم تكن الكارثة في السيول فقط…
بل في أننا اعتدنا المشهد.
في تعز،
لم يعد الحزن هو المشكلة…
المشكلة أننا حفظنا طقوسه:
نُصدم…
نحزن…
نكتب…
ثم نمضي…
وكأن الأطفال خُلقوا ليكونوا أخباراً عابرة.

لكن هذا الطفل…
لم يكن خبراً.

كان شمساً صغيرة…
وكان يمكن أن يكبر…
ليحمل معنى “أيلول الكبير” الحقيقي…

لو لم تسبقه السيول.