آخر الأخبار

spot_img

لماذا تتراجع أسعار الذهب؟ قراءة موجزة في ضوء تحولات النظام النقدي العالمي

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

د. طارق عبدالرشيد *

لا يمكن فهم التراجع النسبي في أسعار الذهب بمعزل عن التحولات الجارية في النظام النقدي العالمي، حيث يواصل الدولار تعزيز موقعه كعملة مهيمنة في تسعير التجارة العالمية وتوجيه التدفقات المالية.

فعلى المستوى المباشر، يتعرض الذهب لضغوط واضحة مع ارتفاع أسعار الفائدة لصالح الدولار، ما يعيد تشكيل قرارات المستثمرين وفق منطق “تكلفة الفرصة البديلة”. وفي هذا السياق، يفقد الذهب –بوصفه أصلاً لا يدرّ عائداً– جزءاً من جاذبيته لصالح أدوات مالية توفر عوائد أكثر استقراراً.

لكن هذا التفسير، رغم أهميته، لا يكفي وحده لفهم الاتجاه العام للأسعار. فالعامل الأكثر تأثيراً يتمثل في استمرار هيمنة الدولار على تسعير الطاقة عالمياً، خصوصاً النفط، وهو ما يربط الطلب على العملة الأمريكية مباشرة بحركة أسواق الطاقة. فكل ارتفاع في أسعار النفط يعني زيادة الحاجة إلى الدولار في التسويات الدولية، بما يعزز قوته ويضغط، في المقابل، على أسعار الذهب، التي تتحرك غالباً في الاتجاه المعاكس.

وتزداد هذه المعادلة حساسية في ظل التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، خاصة في محيط مضيق هرمز، حيث تتداخل اعتبارات أمن الطاقة مع استقرار النظام النقدي العالمي. فاستمرار تدفق النفط عبر هذه الممرات الحيوية يُبقي على مركزية الدولار في التسعير، حتى في ظل ما يشهده الاقتصاد الأمريكي من اختلالات هيكلية.

في المقابل، تواجه البنوك المركزية، لا سيما في الاقتصادات النامية، ضغوطاً متزايدة لإدارة احتياطياتها من النقد الأجنبي. فالحاجة إلى السيولة الدولارية لدعم أسعار الصرف وتمويل الواردات تدفع، في كثير من الأحيان، إلى إعادة هيكلة الاحتياطيات، بما في ذلك تسييل جزء من الذهب، وهو ما يضيف مزيداً من الضغوط على أسعاره في الأسواق العالمية.

وعليه، فإن تراجع الذهب لا يعكس ضعفاً ذاتياً في المعدن النفيس، بقدر ما يعكس تفاعلاً بين قوة الدولار، وبنية تسعير الطاقة، واحتياجات السيولة في الاقتصاد العالمي.

وخلاصة القول، فإن هذه المعادلة ليست ثابتة؛ فهي قابلة للتغير مع أي تحولات جوهرية في موازين القوة الاقتصادية أو في أنماط تسعير التجارة الدولية. كما أن تصاعد التوترات الجيوسياسية واتساع نطاق عدم اليقين قد يعيد للذهب دوره التقليدي كملاذ آمن، خاصة في فترات انكماش التجارة، وارتفاع المخاطر، وتراجع ثقة الأسواق في الأصول الأخرى.

* مختص في الاقتصاد النقدي