صحيفة الثوري- (تحليل):
تحليل: علاء توفيق
تشهد المنطقة تصعيد عسكري وسياسي على خلفية المواجهة مع إيران وتلقيها ضربات إسرائيلية، وما تبعها من ردود فعل عسكرية وتحركات دبلوماسية تعكس مرحلة تتجه فيها القوى المؤثرة إلى إعادة ترتيب مواقعها في الجغرافيا الأكثر ارتباطاً بحركة التجارة والطاقة وأمن الملاحة. هذه التحولات لا تتوقف آثارها عند أطراف الصراع المباشرين، بقدر ما تمتد إلى الدول الواقعة على مفاصل الجغرافيا الاستراتيجية، وفي مقدمتها اليمن.
من منظور تقييم المخاطر، لا يقتصر التحدي على احتمالات اتساع الحرب، وانما يشمل أيضاً شكل التوازنات التي قد تفرزها هذه المواجهة. في الحسابات الجيوسياسية المعقدة، لا يؤدي إضعاف الخصم دائماً إلى مكسب صافي للطرف الآخر. أحياناً يفتح انهياره الكامل الباب أمام فراغ استراتيجي تتقدم قوى أخرى لملئه، وهو ما يفسر جانباً مهماً من الحذر الذي يطبع مقاربات بعض الدول الإقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
خلال السنوات الأخيرة دخلت الرياض مرحلة إعادة تعريف لدورها الإقليمي والدولي. هذا التحول ارتبط بمشروع اقتصادي وسياسي يسعى إلى نقل المنطقة إلى مرحلة استقرار اقتصادي طويل الأمد قادر على جذب استثمارات عالمية كبيرة. نجاح هذا المسار يتطلب بيئة إقليمية أقل توتراً وأكثر قابلية للتنبؤ. ولهذا عملت المملكة على توسيع علاقاتها الدولية بطريقة تمنحها الحركة في النظام الدولي. فهي تحتفظ بتحالفها الأمني مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه طورت شراكات اقتصادية متقدمة مع الصين، وأبقت قنوات الحوار مفتوحة مع روسيا. هذه المعادلة توفر للرياض قدرة أكبر على المناورة في بيئة دولية تتجه تدريجياً نحو تعددية في مراكز القوة. في هذا الإطار، لا يبدو انهيار الدولة الإيرانية خياراً مفضلاً لدى صناع القرار في الرياض. فإضعاف طهران قد يحد من مصادر التهديد المباشر، لكن تفككها الكامل قد يخلق فراغاً جيوسياسياً واسعاً. مثل هذا الفراغ قد يسمح بظهور ترتيبات أمنية جديدة تقودها إسرائيل بدعم أمريكي، وهو ما قد يعيد تشكيل علاقة الخليج بالغرب وفق معادلة الحماية مقابل الامتيازات السياسية والاقتصادية.
من زاوية تقييم المخاطر، تميل هذه القراءة إلى سيناريو يوازن بين هدفين؛ الأول تقليص قدرة إيران على التأثير في أمن المنطقة، والاخر تجنب انهيار الدولة الإيرانية بما قد يحمله من تداعيات غير محسوبة على التوازنات الإقليمية. وجود إيران كدولة داخل نظام إقليمي مستقر يبقى أقل كلفة من فراغ استراتيجي قد يعيد المنطقة إلى أنماط الهيمنة التقليدية.
هذا التقدير يفسر أيضاً جانباً من الحذر في التعامل مع حلفاء طهران في المنطقة. فرغم الصراع المباشر مع هذه القوى، فإن إزاحتها بالكامل في لحظة إقليمية شديدة الخطورة قد يفتح المجال أمام تمدد قوى أخرى تسعى إلى تثبيت نفوذها بعد تحييد إيران.
العواصم الإقليمية تدرك أن إسرائيل تعمل منذ سنوات على ترسيخ موقعها كمركز إقليمي تتحرك حوله بقية اقتصاد الدول في المنطقة. وفي هذا السياق يصبح المشروع الاقتصادي السعودي، الذي يسعى إلى تحويل المنطقة إلى مركز استثمار عالمي، منافساً مباشراً لهذا التوجه. الذي أشار له ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في رؤية تقوم على تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة مزدهرة قادرة على جذب استثمارات عالمية. تحقيق هذا الهدف يتطلب استقراراً طويل الأمد، لأن رأس المال العالمي يتجنب البيئات التي تتسم بتقلبات عسكرية متكررة أو أزمات سياسية دائمة. من هنا يمكن فهم ميل الرياض إلى تهدئة بؤر التوتر الإقليمي متى ما كان ذلك ممكناً. هذه المقاربة لا تعكس تراجعاً في القدرة أو الإرادة السياسية، ولكنها تعكس قراءة مختلفة لطبيعة النفوذ في المرحلة القادمة، حيث يرتبط المعيار الاقتصادي بالاستقرار أكثر مما يرتبط بالصراع المفتوح.
غير أن التصعيد المرتبط بإيران يتجاوز توازنات الدول الكبرى ليصل تأثيره إلى مناطق جغرافية حساسة في محيط الخليج والبحر الأحمر. اليمن يأتي في مقدمة هذه المناطق بحكم موقعه على الممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر باب المندب وخليج عدن. هذا الموقع يجعل التطورات الإقليمية تنعكس مباشرة على التوازنات اليمنية. يأتي اجتماع مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الرئيس رشاد محمد العليمي لمناقشة تداعيات التصعيد الإقليمي حمل رسالة واضحة للمليشيات الحوثية بضرورة تجنب الانخراط في المواجهة المرتبطة بإيران.
هذا التحذير يعكس إدراكاً بأن انخراط الحوثيين في التصعيد سيؤدي إلى فتح جبهة إضافية في البحر الأحمر، وهو ما قد يهدد الملاحة الدولية ويضاعف المخاطر على أمن الخليج. لذلك تبدو الأولوية الحالية لدى الرياض والحكومة الشرعية مركزة على منع تحول اليمن إلى مسرح إضافي للمواجهة الإقليمية. كما أن مؤشرات إدارة الصراعات تشير إلى أن الضربات العسكرية التي تستهدف قيادة تنظيم أو قدراته لا تؤدي بالضرورة إلى انهياره الكامل. فمثلا المواجهة الطويلة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني؛ فرغم العمليات العسكرية المتكررة، ظلت تهديدات الحزب جزء من المعادلة الأمنية في المنطقة.
القياس على الحالة الإيرانية يقود إلى استنتاج مشابه. إضعاف القدرات العسكرية أو القيادية للنظام الإيراني قد يقلص نفوذه، لكنه لا يعني بالضرورة سقوطه أو تفكك حلفائه. في مثل هذه الحالات يتحرك الحلفاء لإعادة ترتيب مواقعهم، بينما تسعى القوى المنافسة إلى تعزيز حضورها في المناطق ذات القيمة الاستراتيجية. اليمن يدخل ضمن هذه الحسابات بحكم تأثيره المباشر على أمن الخليج والممرات البحرية. ولهذا فإن أي تحول في وضع إيران سينعكس على التوازنات داخل اليمن، سواء في مناطق سيطرة الحوثيين في الشمال أو في المحافظات الجنوبية التي تمثل جزء أساسي من الجغرافيا البحرية للدولة اليمنية.
في المرحلة الحالية تبدو الحسابات السعودية مركزة على هدف أساسي يتمثل في منع تحول اليمن إلى جبهة إضافية في المواجهة مع إيران. هذا الهدف يفسر التركيز على تحذير الحوثيين من أي تصعيد قد يستهدف الأراضي السعودية أو الملاحة في البحر الأحمر. غير أن تركيز الجهد الإقليمي على احتواء اي تحركات حوثية قد تفتح المجال لتحركات سياسية في ملفات أخرى داخل اليمن. من بين هذه الملفات الترتيبات السياسية والأمنية في المحافظات الجنوبية، التي تمثل موقع مهم في منظومة الأمن البحري للدولة اليمنية وفي التوازنات الداخلية للبلاد. فخلال السنوات الماضية بنت دولة الإمارات علاقات سياسية وعسكرية مع عدد من القوى المحلية في تلك المحافظات، وهو ما منحها القدرة على التأثير في بعض التوازنات. ومع اقتراب المنطقة من مرحلة إعادة ترتيب النفوذ، قد تسعى أبوظبي إلى العودة للحفاظ على هذا الحضور أو تعزيزه في أي ترتيبات إقليمية قادمة.
في هذا السياق يبرز مسار الحوار بين المكونات السياسية في المحافظات الجنوبية برعاية كريمة من المملكة العربية السعودية كأحد الملفات التي قد تتحول إلى أداة تأثير سياسي. هذا الحوار يهدف في الأصل إلى تنظيم العلاقة بين هذه القوى ضمن إطار الدولة اليمنية، إلا أن استمرار هذا المسار دون نتائج واضحة قد يفتح المجال أمام استخدامه كورقة ضغط في لحظة إقليمية حساسة.
بعض التقديرات السياسية تشير إلى احتمال الدفع نحو إطالة هذا المسار أو إبقائه في حالة عدم حسم عبر قوى مرتبطة بأطراف إقليمية مختلفة. إبقاء الملف مفتوحاً قد يسمح بإعادة التفكير تغيير الجهة الراعية للحوار في مرحلة لاحقة. هذا الاحتمال يكتسب أهمية أكبر إذا أدت التطورات المرتبطة بإيران إلى توسيع التحالفات الأمنية والاقتصادية التي تتشكل في المنطقة. في مثل هذا السياق قد تسعى بعض الدول إلى تعزيز حضورها في المواقع الجغرافية الأكثر أهمية، ومن بينها السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
ضمن هذه البيئة قد تظهر دعوات داخل بعض الأوساط السياسية في المحافظات الجنوبية تطالب بنقل رعاية الحوار من الرياض إلى عاصمة إقليمية أخرى، مستندة إلى أحداث ميدانية أو خلافات سياسية لتبرير هذا التحول. أن حساسية هذا التطور لا تتعلق فقط بالتوازنات المحلية، بقدر ارتباطها بلحظة إقليمية يعاد خلالها توزيع النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن. ان انتقال إدارة هذا الملف إلى أطراف إقليمية أخرى قد يفتح الباب أمام تعقيدات إضافية في المشهد اليمني.
لهذا يبرز عامل الوقت بوصفه عنصر مهم في إدارة هذا المسار. تسريع استكمال الحوار بين المكونات السياسية في المحافظات الجنوبية برعاية المملكة العربية السعودية قد يقلل من فرص تسييس هذا الملف ضمن الصراع الإقليمي، ويحافظ عليه داخل الإطار الذي يربط اليمن بشركائه الإقليميين.
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى إدارة هذا الحوار عبر مسارين محتملين يرتبطان بتقدير المخاطر في المرحلة الإقليمية الراهنة. المسار الأول يتمثل في خيار تسريع استكمال الحوار والوصول إلى تفاهمات سياسية واضحة بين هذه القوى في أقرب وقت ممكن. مبررات هذا الخيار تتعلق بتقليص فرص توظيف الانقسامات الداخلية في الصراع الإقليمي، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على استعادة حضورها الإداري والأمني في المحافظات الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، بما يدعم حماية الممرات البحرية الحيوية. كما أن حسم هذا الملف في ظل الرعاية السعودية يحافظ على موقع الرياض بوصفها الطرف الأكثر قدرة على إدارة التوازنات اليمنية بطريقة تخدم استقرار الخليج وأمن الملاحة الدولية.
أما المسار الثاني فيتمثل في خيار التأني في استكمال الحوار إلى حين اتضاح اتجاهات التصعيد الإقليمي. بعض المؤشرات الميدانية تشير إلى تحركات عسكرية للحوثيين، من بينها نقل أسلحة وتحريك عناصر قتالية باتجاه بعض المحافظات، وهي تطورات قد تعكس استعداداً لاحتمال الانخراط في موجة تصعيد مرتبطة بالتوتر مع إيران. في مثل هذا السياق قد يرى بعض صناع القرار أن التريث في حسم الترتيبات السياسية في المحافظات الجنوبية يمنح هامشاً أوسع للتعامل مع أي تطورات عسكرية محتملة. غير أن نجاح هذا المسار يتطلب في المقابل قدرة المملكة العربية السعودية على احتواء أي اندفاع حوثي نحو التصعيد، سواء عبر أدوات الردع أو من خلال قنوات التواصل السياسية. وفي هذا الإطار تتداول بعض الأوساط معلومات غير مؤكدة عن احتمال وصول وفد من الحوثيين إلى الرياض خلال الفترة القادمة، وهو تطور ـ إن حدث ـ قد يفتح نافذة لممارسة ضغط سياسي يهدف إلى منع توسع المواجهة داخل اليمن وإبقاء البلاد خارج دائرة التصعيد الإقليمي.
إلى جانب ذلك، يبقى تعزيز حضور مؤسسات الدولة في تلك المحافظات عامل أساسي للحفاظ على الاستقرار الداخلي. دعم الأجهزة الأمنية والإدارية وتحسين الخدمات العامة يسهم في تقليص تأثير الخطابات التي تستغل الانقسام السياسي في هذه المرحلة الحساسة.
اليمن، بحكم موقعه الجغرافي، سيظل جزء من معادلة أمن البحر الأحمر وأمن الخليج. إدارة هذه المرحلة بقدر من التوازن السياسي قد تمنح الدولة اليمنية فرصة للحفاظ على موقعها في الترتيبات الإقليمية التي تتشكل حالياً.
في ضوء هذه المعطيات يمكن تلخيص المخاطر الرئيسية في ثلاثة مسارات مترابطة؛ اولا احتمال توسع المواجهة الإقليمية، المسار الثاني تحول اليمن إلى ساحة ضغط غير مباشر بين القوى الإقليمية، والاحتمال الثالث استغلال الانقسامات السياسية الداخلية في بعض المناطق الساحلية المهمة.
التعامل المبكر مع هذه المخاطر عبر تسريع المسارات السياسية الداخلية وتعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين قد يحد من تداعياتها، ويحافظ على موقع اليمن ضمن التوازنات الإقليمية التي تتشكل في هذه المرحلة.

