آخر الأخبار

spot_img

الحُلم ما زال يتيماً يبحث عن كفٍّ لا ترتجف… والفريق محمود الصبيحي آخرُ جدرانِ المدينة

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

بغصّة وبمرارة شديدة، نعم، حُلمُنا الكبير ما زال يتيماً… لا لأنه بلا حامل شعبي أو حامل سياسي، بل لأنه بلا دولةٍ تضمنه، وبلا مشروعٍ يحميه، وبلا قيادةٍ لا ترتجف أمام العواصف.

في اليمن الكبير، الحلم لم يمت بعد، لكنه يُؤجَّل، يُطارَد، يُشوَّه، يُكبح من مرحلةٍ إلى أخرى، ويعود ثم يُترك في ممرات السياسة الضيقة يتكفّف اعترافاً من عالمٍ لا يعترف إلا بالقوة الغاشمة.

في الحقيقة، لم يعد في الساحة اليمنية متّسعٌ للحياد والمناورة، والبلادُ تُسحَب من بين أضلاعنا كما تُسحَب الروح من جسدٍ أنهكته الخيانات والعصابات والعصبيات، والحلمُ الذي حملناه طويلاً في ساحات التغيير المختلفة صار يتكئ على عكّاز الصبر، عكّاز العجز، ينتظر من ينهض به نحو الهدف العظيم، نحو حاجات الناس… لا ينتظر من يرثيه.

يا رفاقي، يجب أن تنتصروا لما تبقّى لنا من حلم، فليس كلُّ ما تهدّم على طريق الصراع قد اندثر ومات، وليس كلُّ من صمت قد استسلم. هناك، في عمق الجرح، نبضٌ لا يزال يقاوم في الجنوب والشمال. فحين يُذكر اسم محمود الصبيحي، على سبيل المثال، لا يُستدعى شخصٌ فحسب، بل يُستدعى معنى ذو قيمة، معنى أن يبقى في المعركة جدارٌ لم ينحنِ بعد، وأن يكون في زمن الانكسار رجلٌ يقف كآخرِ جدران المدينة، لا لأنه آخر الرجال، بل لأنه لم يساوم على أصل الفكرة، على أصل الدولة، وعلى شرف المهنة، وبأن اليمن ليست غنيمةً للعصابات والعصبيات والجهويات والمليشيات، ولا ضيعةً لمستبدٍ طاغية، ولا سلعةً للبيع في مولات الإقليم.

إن المعركة اليوم ليست بين بندقيتين، بل ما زالت كما هي بين فكرتين، بين مشروعين متضادين مختلفين: مشروع الدولة المدنية… ومشروع المليشيا العصبوي، بين فكرة الوطن… وفكرة السلالة والطائفة ومنطقة المثلث والمربع والجبل والسهل، بين فكرة الإنسان كقيمة… وفكرة القطيع، بين الدولة الحلم واللادولة الضياع.

وحين تتساقط أمامنا الأحجار، حجراً حجراً، وتتكسّر الجدران، يبقى السؤال:
من يحرس المعنى؟ من يحرس المدينة من الطهابيش؟ من يمنع الحلم من أن يُدفن حيّاً كما الماضي تحت ركام المخربين العصبويين المغامرين المرتزقة، أو يُشوَّه كجنينٍ تحت عمليات التسويات الباهتة؟

يجب أن نعترف أنه بصمتنا، بتخاذلنا، بخوفنا، ساهمنا في سقوط المدن في يد اللادولة، في يد الفوضى. فالجدران لا تُهزم ولا تسقط دفعةً واحدة، إلا حين تتخلّى الحجارة عن بعضها، عن تماسكها، عن ترابطها وصلابتها.

في الحقيقة، المرحلة حرجة، فلسنا بحاجةٍ إلى أبطالٍ كرتونيين وهميين زئبقيين يتلونون كالحرباء، مثل الذين اختُبروا وانكشفوا عرايا في جبهاتٍ سياسية وعسكرية مختلفة، بل نحتاج إلى مواقف صلبة تُشبه الفولاذ، واضحة كالشمس، وثابتة كالجبال، إلى رجالٍ يدركون أن الهزيمة الحقيقية ليست خسارة موقعٍ خاص، بل خسارة المعنى، خسارة الحلم بتأسيس مداميك الدولة.

لذا يجب أن ننتصر لما تبقّى لنا من حلمٍ كبير، لأن الحلم إذا مات، لن تُجدي معه حرب البنادق، ولا الشعارات، ولا الخطب الثورية. وإذا انهار المعنى، لن تُقيموا دولةً ولو على ألفِ انتصارٍ عسكري و24 مليون علمٍ وقوس نصر.

إن اليمن اليوم لا تحتاج إلى خطبٍ عالية السقف، ولا برامج مطاطية، ولا إلى مزيدٍ من الليونة، بل تحتاج إلى برنامجٍ مرحلي يُعيد تعريف ما تبقّى من المعركة ونوعها: لأجل من؟ وضد من؟ وما هو الإنجاز المطلوب الآن وفقاً لسلم الأولويات؟

حتماً، ليست معركة ثأر، ولا معركة تصفيات حسابات وكسر عظم، وليست معركة نفوذ وسيطرة عصابات، بل معركة تأسيس دولة وبناء اقتصاد ينقذ وضع الناس من الانحدار نحو الموت.

وما دام في هذه الأرض من يقول لا، فالمعركة لم تنته بعد، بل بدأت. وما دام في القلب متّسعٌ للحلم الكبير، ففي هذا المشهد المرتبك والاشتباك المعقد يبرز لنا اسم الفريق القائد محمود الصبيحي، لا بوصفه فرداً، بل كرمزٍ لمعنى الدولة حين تكون الدولة في خطر.

ليس تقديساً للأشخاص، أبداً، ولا اختزالاً لوطنٍ في رجل، بل قراءة في لحظةٍ تاريخية تتساقط فيها أحجار الجدران المحيطة بالمدينة كأحجار فيزياء الدومينو، ويصبح السؤال خانقاً: من بقي واقفاً أمام بوابة رمز الدولة السيادي، قصر المعاشيق، كما وقف أمام القصر الجمهوري عندما كانت تسقط العاصمة صنعاء قطعةً قطعة أمام جحافل مليشيات صالح والحوثي؟

الصبيحي، القادم من المؤسسة العسكرية، لم يُقدَّم يوماً كسياسي شعبوي، بل كرجل نظامٍ وانضباطٍ وقانون. حين سقطت المؤسسات، وحين تمزقت الجغرافيا بين سلطاتٍ ورايات سوداء وبيضاء مختلفة، تحوّل وجوده في المخيال الجمعي إلى استعارةٍ واستعادةٍ لما تبقّى لنا من فكرة الجيش الوطني الضامن والحامي الملتزم. الفريق محمود الصبيحي، في الوعي العام، نموذج للقيادة والنزاهة والتواضع والشرف، ويمثّل فكرة الجيش الوطني غير المليشياوي، الذي يلتزم الانضباط مقابل الفوضى، والدولة مقابل المربعات، والمؤسسات مقابل العصابة.

لذا يبدو لنا الرجل آخر جدران المدينة. عدن، المدينة بمعناها الرمزي حالياً، تعني الدولة، النظام، والأمن، واحتكار السلاح المنفلت وتنظيمه وتوزيعه، كما تعني وحدة القرار والتوجه والمؤسسات. وحين تتهاوى مصفوفة هذه الأسس، يبحث الناس عن جدارٍ سميكٍ كملاذٍ أخير يستندون إليه نفسياً ومعنوياً.

لكن الجدار لا يكفي إن لم تُرمَّم الأساسات، ويتحمل الجميع مسؤوليته بدون تملّص. صحيح أن الأزمة أعمق من الأشخاص، فالأزمة اليمنية ليست أزمة قيادةٍ عسكريةٍ فقط، بل، للأسف، أزمة مجانين يسمَّون قادة، أزمة إصابتنا بمتلازمة المرتزقة والعمالة، نهابين فاسدين وقحين، وكياناتٍ عصبوية تتغذى كالطفيليات… إنها أزمة إنسانٍ أولاً، وأزمة غياب مشروعٍ سياسي وطني جامع ما زلنا نبحث عنه هناك في (سوق عكاظ)، المملكة العربية السعودية.

فالحلم الكبير، الدولة الضامنة، لا يزال ينتظر أيادي لا ترتجف، وعقولاً واعية لا تُستدرج، وضمائر لا تبيع، ومواقف غير متذبذبة. ونحن، كشعب، إما أن نكون الجدار السميك، أو نصير نحن قلب المدينة.