“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد فاضل الفقيه
لا يزال أقطاب النظام السابق وحلفاؤهم، ممن صاغوا مشهد السابع من يوليو 1994 بحد السيف، يصرون على تسويق رواية مجتزأة للأجيال؛ مفادها أن حربهم كانت “ضد حزب وجيشه” وليست ضد “الجنوب”، وأن “الوحدة مقدس” لا يمس. وهي رواية لا تصمد أمام النقد التاريخي، ولا تستقيم مع المنطق القانوني الذي يحكم العقود والمواثيق الدولية والوطنية.
فمن الناحية القانونية، قامت الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 على أساس “اتفاقية دولية” بين كيانين سياديين، وهذا النوع من العقود السياسية يستمد مشروعيته من الرضا المستمر والشراكة المتكافئة. وحين قرر نظام صنعاء وحلفاؤه حسم الخلافات السياسية عبر فوهة المدفع، فإنهم لم يدافعوا عن الوحدة، بل أعلنوا الارتداد عن “عقد التأسيس”؛ فالمبدأ القانوني يقول: “العقد شريعة المتعاقدين”، واللجوء للقوة لفرض شروط أحادية هو فسخ للقيمة الأخلاقية والقانونية لهذا العقد، وتحويله من اتحاد طوعي إلى إلحاق قسري.
ويزعم هؤلاء أن الحرب استهدفت “الحزب الاشتراكي”، لكن الوقائع التي تلت الحرب فضحت هذا الادعاء؛ فلو كانت الحرب سياسية بامتياز، لما انتهت بالتسريح القسري الجماعي لعشرات الآلاف من الكوادر الجنوبية، مدنيين وعسكريين، وهو إقصاء طال الهوية المؤسسية للجنوب لا الانتماء الحزبي. كما تجلى ذلك في الاستباحة الاقتصادية التي حولت أراضي الجنوب ومقدراته إلى “إقطاعيات” لرموز النفوذ تحت مسمى “غنائم الحرب”، وهو سلوك لا تمارسه دولة تجاه مواطنيها، بل قوة إلحاق تجاه جغرافيا مستباحة.
لقد كانت “وثيقة العهد والاتفاق” الموقعة في عمان عام 1994 هي المخرج القانوني والحضاري الأخير لإنقاذ الوحدة عبر بناء دولة مؤسسات لا دولة غلبة، وإن انقلاب النظام السابق عليها وإعلان الحرب بعد التوقيع بأيام قليلة يمثل ذروة الغدر بالمواثيق. لقد اختاروا حينها “الجغرافيا” على حساب “الإنسان”، و”الثروة” على حساب “الشراكة”، وبذلك هم من اغتالوا المشروع الوطني في مهده.
أما محاولة إضفاء “القدسية” على الوحدة عبر الفتاوى أو الخطابات العاطفية، فهي وسيلة مفضوحة لتكميم الأفواه؛ إذ لا توجد في العلوم السياسية قدسية لأشكال الدول، فالقدسية هي للعدل والكرامة وحقوق الإنسان. إن الوحدة التي تُحمى بالدبابات وتُشرعن بالدماء ليست مقدسة، بل هي أزمة مستمرة تحتاج إلى حل جذري يعيد الحقوق لأصحابها.
إن الرد الحقيقي على ورثة نظام 7 يوليو هو التمسك بالحقائق: إن من غدر بالوحدة هم من حولوها من حلم وطني إلى مشروع نهب، ومن شراكة ندّية إلى هيمنة عصبوية. إن استعادة روح المشروع الوطني تبدأ من الاعتراف بأن حرب 94 كانت طعنة في قلب الوحدة، وأن ما بُني على باطل ونقضٍ للعهود لا يمكن أن يستمر تحت ستار “المقدس”.

