آخر الأخبار

spot_img

فبراير ذكرى ثورة لم تكتمل

صحيفة الثوري – كتابات

مراد حسن بليم

تحل ذكرى ثورة فبراير وتعيد إلى أذهان الأبناء نضال الآباء والأجداد، وتبرهن أن الثورات الشعبية في تواصل مستمر لذات الغايات، وإن أختلف الزمن وتغيرت الشخصيات وهذا الاتصال نابع من صيرورة الأحداث وتطورها وتماثلها ومن النزعة الإنسانية نحو الحرية والعدالة والمساواة كقيم ذهنية مترسخة في ذاته تأبى الإندفان في تربة الاستبداد والكهنوت والمناطقية وترفض وأدها وقتلها المتعمد.

لقد كانت ثورة فبراير لحظة مفصلية في التاريخ المعاصر وامتداد طبيعي لثورة الحراك السلمي الجنوبي في العام 2007 ، وشكلتا جدار مواجهة صلب ضد الظلم والغطرسة والقمع والقهر ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة ، ولقد فتحتا الابواب أمام الجماهير لنيل الحقوق والحريات المصادرة بفعل قوة الغلبة التي مارستها السلطة وعنونت المشهد واختزلته على مقاسها ومعها كل قوى التخلف وعلى كافة الصعد السياسية والاقتصادية.

ان ثورة فبراير الشبابية السلمية انطلقت للتعبير عن طموح الشعب الى التغيير وإحداث إنتقال ديمقراطي يحقق مشروع اليمنيين وحلمهم في إقامة دولة المواطنة التي تنهي التمييز والاستئثار بالسلطة والثروة وتجاوز آثار ونتائج حروب الماضي وآخرها حرب ١٩٩٤ التي قادت الى إنسداد الحياة السياسية وتوقف العملية التنموية وصيرورة الفساد نظاماً حاكماً ومتحكماً بالأموال والرقاب وجاءت بهدف بناء الدولة المدنية الحديثة كحلم لليمنيين قدموا التضحيات في سبيلها منذ ثورتي ٢٦ سبتمبر و ١٤ أكتوبر،ولقد تمكنت من الوصول الى الاعتراف الواسع الوطني والدولي بضرورة تحقيق آمال وطموحات اليمنيين الى الإنتقال الديمقراطي ،وعلى الرغم من محاولة تقويض مسار التغيير بالحرب وتدمير مؤسسات الدولة والمجتمع إلاّ أن هذه الحرب لم تفلح، على الرغم من قساوتها وبشاعتها من تقويض تطلعات الشعب اليمني الى التغيير.

إن بلادنا تمر اليوم بظروف بالغة التعقيد والخطورة على كافة المستويات السياسية والعسكرية والإنسانية ففي الوقت الذي ينتظر فيه اليمنيين سلام عادل ينتشلهم من براثن الضياع ومسارات الموت التي أفرزتها الحرب بالانقضاض على الدولة واحتكار مقدراتها لصالح جماعات تلغي الآخر المختلف وتصادر حقوقه الأصيلة المكفولة في الدستور والمواثيق الدولية بل وحتى كرامته وآدميته، يكتسب الحديث عن الثورة أهمية خاصة في هذه الأثناء نظراً لما عاشه اليمن من أحداث ثورية وغضب شعبي الأمر الذي يحفز ذاكرة الأجيال الشابة والمعاصرة للعودة إلى المحطات الثورية الرئيسية الأولى، التي تعد أحداثاً تاريخية عظيمة صنعها اليمنيون بإرادتهم وعزيمتهم فانتقلوا بها إلى عصر الدولة والجمهورية بعد ما غرقوا لعقود في براثن التخلف والإقطاع والاستبعاد الاجتماعي.

إن استحضار أحداث الماضي في الحاضر له أثر إيجابي عميق التأثير في الانطلاق نحو المستقبل بعد التحلل من عوامل الضعف والارتباك وإذابة مبررات الفرقة وتجاوز أسباب الفشل والانهيار فينطلق الجميع نحو الغد بثقة أكبر وتتحقق معاني المساواة والكرامة، وتنتصر الثورة لإهدائها وتتصل الأحداث ببعضها والأجيال بسابقيها فتظهر حيوية هذا الشعب وعظمته كصفحة ناصعة في التاريخ لا تقبل الانتكاس وتستعصي على الطي والتشويه.

إن ثورة فبراير حدث عظيم لشعب أعظم فلم تتوثب هذه الثورة من فراغ بل جاءت من عمق الحاجة الشعبية الملحة والمتنامية الراغبة في التحرر والانعتاق من عهود الفساد والتوريث والاستبداد والإقصاء،وبدى فبراير وكأنه الضالة التي وجدها اليمنيون للتعبير عن رفضهم لهذه الحرب، شرارة تشعل الصمود وليست ذكرى للاحتفال بها فقط، إنها خزان التحدي والكبرياء كلما أُنهك الشعب بسطوة السلطة، إنها عنوان المقاومة وقرارة باستردادها للشعب ودحر خرافات الولاية وإحياء لقيم الكفاح الوطني ضد الاستبداد والتخلف والرجعية ولن تدحر هذه الخرافات إلا قيم الجمهورية والمساواة والعدالة والديمقراطية،لأن الشعب لن يسمح للإمامة بثوبها القاتم او قوى ما قبل الثورات أن تعود ولن تعود ما دام سبتمبر وأكتوبر يخفقان في قلب كل يمني حر،وإن كل محاولات طمس هوية هذا الإرث الثوري والتاريخي سيقاومه الأحرار من كل منبر.

إن ألق فبراير الذي سطع ذات نهار سيظل تعبيرا مكثفا على حاجة الشعب الملحة للتغيير وإسقاط الاستبداد بكل أشكاله وتحقيق حلم اليمنيين بارساء مداميك الدولة والمواطنة وإنهاء حقب التمييز والاستئثار بالسلطة والثروة وجب وتجاوز آثار الحروب والصراعات وفي مقدمة ذلك حرب 94 الظالمة بكل مرارتها ومآسيها وتداعياتها والتي كانت السبب الرئيس فيما آلت إليه أوضاع البلد من تشظيات واقصاء وفساد ، وتنكر للشراكة والانقلاب على روح ومضامين الدولة والوحدة.

ثورة فبراير ستظل مصدر فخر واعتزاز لليمنيين لن ينال منها المتنطعون ممن قذف بهم التاريخ إلى مسارات مناهضة لحركة الحياة الطبيعية وقوانينها الموضوعية،ستبقى في قلوب اليمنيين شعلة تنير دربهم نحو الحرية والديمقراطية والعدالة بروحها المتجذرة في أحلام الفقراء وعامة الشعب،ممن حملوا رايتها في أحلك الظروف وضحوا من أجل انتصارها ومكمن القوة الحقيقية في التصدي للمشروع العنصري الذي يصر على السير في اتجاه معاكس لسيرورة الحياة.