آخر الأخبار

spot_img

‏حرب باردة في الخليج: تداعيات الأزمة بين ‎السعودية والإمارات

صحيفة الثوري – ترجمات:

معهد بلومزبري للاستخبارات والأمن

ما كان يُعدّ علاقة وثيقة واستراتيجية بين السعودية ودولة الإمارات تدهور بشكل حاد في السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك أساسًا إلى اختلاف الطموحات في الصراعات الإقليمية وتباين الرؤى بشأن النفوذ في أنحاء الشرق الأوسط.

بدأ التعاون بين الدولتين في اليمن عام 2015 ضمن تحالف تقوده السعودية لهزيمة الحوثيين المتحالفين مع إيران، إلا أن هذا التعاون تصدّع تدريجيًا مع سعي الرياض وأبوظبي إلى تحقيق أهداف متعارضة.

فمن جهة، دعمت السعودية على الدوام الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والتي تسعى إلى الحفاظ على وحدة اليمن الإقليمية وأمنه ضمن حدوده، ومن جهة أخرى، اتجهت الإمارات إلى دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو حركة انفصالية تسعى إلى الحكم الذاتي والسيطرة على الموانئ الاستراتيجية وطرق التجارة.

وقد عمّق هذا التباين من حدة التوترات، إذ أعربت السعودية عن مخاوفها من أن القوات المرتبطة بالإمارات تعمل على إضعاف التحالف المناهض للحوثيين وتقسيم اليمن، ونفذت السعودية في الثاني من يناير/كانون الثاني 2026 ضربات جوية ضد قوات مدعومة من الإمارات، ما أسفر عن مقتل عشرين مقاتلًا انفصاليًا، في إشارة واضحة إلى خطورة اتساع هذا الشرخ.

وتظهر منافسات مشابهة بين الدولتين في دول أخرى مثل سوريا وإسرائيل ومناطق من القرن الأفريقي، حيث تدعم الرياض وأبوظبي أطرافًا مختلفة بهدف تأمين موطئ قدم استراتيجي، الأمر الذي يعكس طبيعة التنافس المتزايد بينهما.

التداعيات:

أسهم التنافس السعودي-الإماراتي في تدهور العلاقات الدبلوماسية وتآكل وحدة الموقف الخليجي، وهو ما يضعف تماسك ومصداقية مجلس التعاون الخليجي، مع تزايد سعي كل دولة إلى لعب دور قيادي مستقل في المنطقة.

وكشفت السياسات الخارجية المتباينة كما ظهر في اليمن، عن انعدام الثقة الاستراتيجية وتراجع مستوى التنسيق، مما عقّد عملية اتخاذ القرارات الجماعية بشأن الأزمات الإقليمية.

وأدى هذا التنافس على الصعيد العملي، إلى تراجع التنسيق والكفاءة في المجالات العسكرية والتجارية، فقد خلقت المنافسة على مشاريع الخدمات اللوجستية وتطوير البنية التحتية موانئ وممرات نقل وسلاسل إمداد متوازية، ما زاد من الازدواجية والاحتكاكات التشغيلية.

كما أدى دعم قوى محلية متنافسة في مناطق النزاع في اليمن، إلى تفتيت البلاد وبُنى القيادة، وإطالة أمد عدم الاستقرار، وانعكست هذه الديناميات سلبًا على التجارة العالمية، ولا سيما على خطوط الشحن البحري، مما عقّد الجوانب الأمنية واللوجستية على طول الممرات البحرية الحيوية مثل قناة السويس.

أما على الصعيد الأمني، فإن تبعات هذا التنافس خطيرة، فقد أدت سباقات تقديم المساعدات الاقتصادية وصفقات السلاح بين السعودية والإمارات إلى تأجيج صراعات لا يستطيع أي من الطرفين التحكم بها بالكامل، ولا تبدو قريبة من الانتهاء.

كما أضعف تسليح الحلفاء المتنافسين في اليمن من فرص التوصل إلى تسويات، وأربك هياكل القيادة والسيطرة، ورفع احتمالات اندلاع صراعات داخل التحالف نفسه.

ويزداد احتمال المواجهة المباشرة بسبب تراجع نفوذ الرياض وأبوظبي وارتفاع مخاطر التصعيد، مع تنامي القدرات العسكرية المستقلة للأطراف المحلية، الأمر الذي يهدد بمزيد من تقويض الأمن الإقليمي.

اقتصاديًا، عزّزت هذه الأوضاع منطق المنافسة الصفرية على رأس المال والتجارة والاستثمار الأجنبي، بدلًا من تشجيع التكامل الإقليمي، فالمشاريع الضخمة المتوازية ومبادرات البنية التحتية المتنافسة تنطوي على مخاطر سوء تخصيص رأس المال وظهور طاقات فائضة على المدى الطويل، وإن كانت قد تسهم في خلق فرص عمل على المدى القصير.

كما يزداد التشتت وترتفع تكاليف المعاملات مع تنافس السعودية والإمارات للهيمنة على قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والتمويل ومراكز الطاقة، ما يضعف اندماج الأسواق الإقليمية، وقد يؤدي هذا الازدواج على المدى البعيد، إلى تراجع ثقة المستثمرين والحدّ من جهود التنويع الاقتصادي.

التوقعات:

المدى القصير (الآن – ثلاثة أشهر)

▪︎ من المرجح أن تشهد العلاقات بين السعودية والإمارات تصاعدًا في التوترات السياسية والإعلامية في أعقاب الضربات الجوية في يناير/كانون الثاني 2026، في ظل سعي كل طرف إلى إظهار الحزم وردع أي تدخلات إضافية.

▪︎ من المرجح بدرجة كبيرة استمرار التنافس عبر القوى المحلية في اليمن، لا سيما حول الموانئ الاستراتيجية وممرات النقل، في حين يظل احتمال حدوث مواجهة عسكرية مباشرة ومستمرة بين البلدين ضعيفًا.

▪︎ من الممكن واقعيًا أن تحاول أطراف إقليمية أو دولية إطلاق جهود وساطة محدودة، إلا أن هذه المبادرات لا تبدو مرجحة لتحقيق خفض سريع للتصعيد.

المدى المتوسط (3 – 12 شهرًا)

▪︎ من المرجح أن يصبح التنافس أكثر تنظيمًا واتساعًا عبر عدة ساحات، بما في ذلك اليمن والقرن الأفريقي وأجزاء من المشرق العربي، مع سعي كل من الدولتين إلى ترسيخ نفوذها عبر شركاء محليين وأدوات اقتصادية.

▪︎ يظل من الممكن واقعيًا وقوع حوادث إضافية محدودة بين قوات مدعومة من السعودية وأخرى مدعومة من الإمارات، إلا أن اندلاع مواجهة واسعة النطاق يبقى غير مرجح.

المدى الطويل (أكثر من عام)

▪︎ من المرجح أن يترسّخ نمط “حرب باردة” طويلة الأمد بين الطرفين، يتسم بتحالفات أمنية متنافسة وممرات اقتصادية متوازية.

▪︎ ومع استمرار الازدواج في مشاريع البنية التحتية واستراتيجيات الاستثمار، فمن المرجح جدًا أن يستمر تفكك التكامل الاقتصادي والأمني الإقليمي.

▪︎ يظل اندلاع صراع مباشر بين الدولتين أمرًا غير مرجح، إذ إن الكلفة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لمواجهة مفتوحة ستظل تفوق أي مكاسب محتملة، ما يدفع الطرفين إلى مواصلة التنافس دون الانزلاق إلى حرب معلنة.


* ترجمة: زيد بنيامين