“صحيفة الثوري” – (كتابات):
عبدالباري طاهر
رحيل العزيز عبد الحليم سيف أشعرني أنِّي الذي مات. موت الأخ أو العزيز يشعرك بموت شيء فيك. موت حليم كما أخاطبه دَومًا غمرني بالموت.
القلوب جُنودٌ مُجنَّدة؛ ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. حليم مألوف لزملائه في مهنة الصحافة ولمن عرفه بسيط كبسمة الطفل، عميق كالبحر. من قلائل درسوا وأدركوا أهمية مهنة الصحافة، وقيمة الكلمة الصادقة، والخبر الصحيح آثاره عميقة في المهنة وعليها. معرفته بالحياة والناس وطبيعة الأحوال يعبر عنها بالتواضع، وَأحيانًا بالتغابي والتجاهل.
الحليم سيف -كما يصفه زملاؤه الصحفيون- مدرسة صحفية. وَثَّقَ وَأرَّخَ وَدَرسَ صحيفة «الثورة»؛ صحيفة ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، تَوثيقًا لم يسبقه إليه أحد، ولا يزال كتابه المرجع الأهم.
نَقَّبَ وبحث في العمل النقابي الصحفي، وَدَرسَ نشأة العمل النقابي في الشمال؛ «جمعية الصحفيين»، ومن ثَمَّ «نقابة الصحفيين»، ابتداءً من العام 22 أبريل 1976، كما درس مؤتمر «منظمة الصحفيين الديمقراطي» في جنوب الوطن، ودرس التحضير للكيانين النقابيين حتى التوحيد.
في خمسينات القرن الماضي خرج الطفل حليم من قرى «الاعبوس»؛ قَاصدًا مدينة الأنوار (عدن)؛ ليعمل ويتعلم. التحق بصعوبة بكلية بلقيس، وعكف على الدراسة بشغف.
تعلمت منه الكثير، وكنا نتواصل في الأسبوع مرة أو مرتين. كنا نتداول أخبار الأسبوع والأحداث، وَكَانَ شَديدَ الدِّقَّة في قراءة الخبر، وفحص مصداقيته.
نقده صارم في التزام المهنة والصداقة ونظافة الضمير واليد والحب والإخلاص لأمته وشعبه. تتلمذ على يديه المئات والآلاف، وأثره في الصحافة عميق، ومقدرته فائقة.
عبد الحليم سيف أنموذج نادر؛ فرغم الفقر والمرض والمعاناة القاسية لم أسمعه يَومًا يتشكي حاله أو يتذمر. تواضعه جم، وصبره باتع.
كتبت عنه قبل وفاته، وحاولت إجراء مقابلة أو حوار معه، ولكنه كان قليل الاهتمام بذلك، وإليكم ما كتبت عنه..
عبد الحليم سيف الباحث اليمني القدير
باحث مهم خرج أواسط خمسينات القرن الماضي إلى عدن، والتحق بالتعليم الحديث.
درس الصحافة في موسكو، وعُيِّنَ في سبعينات القرن الماضي بَاحِثاً بمركز الدراسات والبحوث في صنعاء، ثُمَّ انتقل إلى مؤسسة سبأ للصحافة والنشر والطباعة. رأس الباحث مركز البحث في «مؤسسة الثورة».
خلال عمله الطويل في البحث ومتابعة التقارير والمقالات والأخبار لِعِدَّةِ عقود، أصيب الباحث في نظره الذي ضَعُفَ حَدَّ الخَطَر.
وَأصِيبَ جسده بالوهن، وبعدة أمراض، سببها المكوث لساعات طوال في البحث والتدقيق والتحقيق في كلِّ مَا يصل إلى الصحيفة اليومية.
مِيزة هذا الباحث والصحفي القدير شِدَّةَ التحري في قراءة الخبر، وَالدِّقَّة في معرفة وتتبع المصادر بمهنيّة قَلَّ نظيرها. والمصيبة أنَّ هذه الميزة البحثية العظيمة كان أثرها بالغ الخطورة على الإبصار، والصحة العامة.
خلال أعوام عديدة، عَكَفَ الباحث على دراسة نشأة الصحافة بصورة عامة. وعكف إلى جانب عمله اليومي الصباحي والمسائي على دراسة صحيفته التي درسها في كتابه «ذَحْيَّنْ» 40 سنة صحافة.. الثورة النشأة والتطور.
كما عكف على دراسة الوحدة اليمنية عبر التاريخ، وميلاد الحركة النقابية اليمنية منذ أربعينات القرن الماضي.
في كتابه «أربعين سنة صحافة.. الثورة النشأة والتطوّر»، يدرس ميلاد الصحيفة منذ النشأة الأولى في تعز، والتدقيق في الانتقال إلى صنعاء، وأهمية الإصدار اليومي، والمراحل التي مرّت بها، ابتداءً من الرَّص الآلي، وحرية الصحافة، وهموم الصحيفة والصحافة في المراحل المختلفة.
يدرس التطوّرات المهنية والطباعية وقضايا الاستقرار والانتشار، وُصُولاً إلى ثورة التسعينات. سياسة الإعلام اليمني الموحّد والأهداف، تأسيس الدولة والمراحل الكفاحية لمسار الثورة اليمنية.
يقرأ عَميقاً التحرير الصحفي، الخبر، العمود، التحقيق، المقال اليوميات، الكاريكاتير، الترويسة والإخراج، ثُمَّ الإعلان والتوزيع والإدارة.
أمَّا مبحثه القيم والمهم، فكتابه عن نقابة الصحفيين اليمنيين: «التاريخ والتجربة».
وكلا الكتابين المُهِمَّين بحاجة إلى قراءة. فهما من الإصدارات المهمة التي درست العمل الصحفي في اليمن في أنموذج صحيفة الثورة التي عبّرت عن الكفاح الوطني الثوري والجمهوري. كما درست التجربة النقابية، وهي أيضًا رافد من أهم روافد الثورة اليمنية وعطائها.
الباحث عبد الحليم سيف، بسبب من متاعب العمل الشاق والمضني، وبسبب من الصدق والإخلاص وتحرّي تقديم الخبر الصحيح، ودقة واحترام المهنية الصحفية- تعرّض ويتعرّض لمتاعب وعلل تبدأ ولا تنتهي.
إنَّهُ الآن طريح الفراش، مقطوع الراتب، يعاني أمراضًا ومتاعب؛ مصدرها أو أصيب بها أثناء أداء واجبه الوظيفي، وفي كُلِّ قوانين ولوائح ونُظم الدول حتى الأشد استبداداً وشمولية- تُعتبر إصابة العمل موجبة للمعالجة والتعويض؛ فبالله من نخاطب في حالة هذا الباحث والصحفي القدير الذي أفنى أزهى سنوات العمر في خدمة وطنه، وفي البحث التأسيسي الدقيق والعلمي للعمل الصحفي الريادي والمهني، وللعمل النقابي- المداميك الأساس في العمل المدني والديمقراطي؟!
يأبى الباحث والصحفي أن تُطرح معاناته أو مرضه، ولكننا في ظل الحالة الخطرة، التي تتهدد حياته، نجدنا مرغمين أن نخاطب مسؤولي البلد والرأي العام والضمائر الحيّة والعقول النيِّرة لرد واحد في المائة من صنيع هذا الباحث القدير، والصحفي العملاق والفادي الذي وَهَبَ حياته وصحته رَخيصةً لخدمة الصحافة والحريات والمهنية النقابية، وحرية الرأي.

