آخر الأخبار

spot_img

في ذكرى الصريمي الأولى.. السيرة في ثلاث أغنيات

“صحيفة الثوري” – (كتابات – فن):

محمد عبدالوهاب الشيباني

حين خاض تجربة الهجرة، وهو لم يزل طفلًا في العاشرة، كان سلطان الصريمي يستطيع تمييز الفارق بين حالة البلد الذي أتى منه، والذي كان يعيش عزلة تامة بسبب طبيعة نظام الحكم، وبين البلد الذي استقر فيه على الضفة الأخرى من البحر الأحمر (جيبوتي)، الذي كان لا يزال مستعمرة فرنسية في قوس القرن الأفريقي. ولهذا اختار لاحقًا أن ينحاز، كتجربة حياتية، لعملية العصرنة والتحديث.

مثل ألوف اليمنيين الذين ضاق بهم وطنهم جراء تسلّط حاكم بلبوس الكهنوت، عمل على إفقارهم وتكميم أفواههم، وجعل الخرافة وسيلة لتفسير الظواهر، اختار الصريمي الهجرة مع والده، الذي كان يملك دكانًا بسيطًا في المدينة الأفريقية التي يتبلبل لسانها اليومي بين الفرنسية والعربية والمحكيات الشعبية لقبائل العفر وبرّ الدناكل الشاسع.

استبطن حالة الهجرة هذه من زاوية المكابدة التي يعيشها المهاجر، الذي ترك أسرته في أقسى الظروف، لينتج، بعد أكثر من عشرة أعوام من هجرته، واحدًا من أهم النصوص التي تعاين تغريبة اليمانيين الأزلية. فظهر النص مُغنّى لأول مرة في مدينة الحديدة، أوائل سبعينيات القرن الماضي (1972)، بصوت الفنان الشاب وقتها عبدالباسط العبسي، وهي أغنية (مسعود هجر). فصارت حينها إنجيلًا للنساء في القرى اللواتي عانين من قسوة فراق الأزواج بسبب الهجرة والاغتراب، التي كانت آنذاك واحدة من تجليات المعضلة الاجتماعية مع متلازمة الفقر، الذي يقود إلى الهجرة القاسية، والتي قد تكون سببًا في اختفاء الأزواج، الذي يتحول مع الوقت إلى شقاء مضاعف في حياة الزوجات الشابات. فلا يمتلكن من جرائها سوى الشكوى المريرة التي تختصرها هذه الأغنية، التي تتوجه بها الزوجة إلى العمّة.
https://www.youtube.com/watch?v=0TS8cHoO6C0

سنوات قليلة قضاها ملازمًا لوالده في مدينة جيبوتي، وعادا بعدها للاستقرار في مدينة عدن، حيث زاول الطفل الصغير مهنًا تتناسب مع سنّه (العمل في توصيل طلبات المساكن من الدكان الذي يعمل به)، مثل كثير من الأطفال الذين قدموا للمدينة الصاخبة من الأرياف القريبة والبعيدة.

مع قيام ثورة سبتمبر 1962، ومثل مئات الشبان، ترك مدينة عدن إلى مدينة تعز للالتحاق بطلائع الحرس الوطني، التي تشكّلت من المتطوعين للدفاع عن الثورة الوليدة، التي تربّصت بها القوى الرجعية في المنطقة، ورمت بكل ثقلها لدعم الملكيين، وعملت لاحقًا على إفراغها من مضامينها التقدمية.

حالة الثورة وحجم التآمر الكبير عليها اختزلها الشاعر في نص طويل، تحوّل إلى أوبريت غنائي، أدّته في عدن، أواسط ثمانينيات القرن الماضي، فرقة «الطريق» بقيادة الموسيقار الراحل حميد البصري، والمطربة شوقية العطار، والمطرب نجيب سعيد ثابت. والنص المعني هنا هو (أبجدية البحر والثورة).
https://www.youtube.com/watch?v=DkvEQersChM

مثل كثير من الشبان الذين وقعوا تحت تأثير الخطاب السياسي الجديد الذي بشّرت به مرحلة المد القومي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، انضمّ الصريمي سياسيًا إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، حينما كان الحزب ذا الحضور القومي الطاغي، قادرًا على تأطير ذوي الأحلام الكبيرة في بلوغ مشروع الدولة القومية من الماء إلى الماء. لكنه، بعد سنوات قليلة، وجد نفسه أقرب إلى الخطاب السياسي اليساري (الماركسي). ولهذا كان من أوائل البعثيين الذين أنجزوا مراجعات سياسية وفكرية، فأنشأوا فصيلًا سياسيًا يساريًا في شمال اليمن في يناير من العام 1973، أُطلق عليه اسم (حزب الطليعة الشعبية)، على غرار فصيل كان قد تحوّل من البعث إلى الماركسية بالأسلوب ذاته في عدن.

كان شمال اليمن، وقتها، يعيش أوضاعًا كارثية على الصعيدين الاقتصادي والأمني، ويشهد حالة توتر قصوى مع شطره الجنوبي، كانت قد أفضت قبل ذلك إلى حرب الشطرين الأولى، التي احتواها بيان طرابلس في أكتوبر 1972، والذي وضع التصورات الأولى للدولة الموحدة.

حالة الفوضى تلك ترافقت مع قيام حكومة عبد الله الحجري بتمديد اتفاقية الطائف، التي منحت السعودية سنوات إضافية للسيطرة على إقليمي عسير ونجران، اللذين استولت عليهما في حرب 1934.

هذه القضية، التي شغلت الداخل اليمني طويلًا، تعاطى معها الشاعر بمسؤولية السياسي المناضل، حين استشرف الحالة وكتب قصيدة «نشوان»، التي نشرها في مجلة «الحكمة» (الناطقة باسم اتحاد الأدباء)، وبقيت كحالة أرشيفية، قبل أن يلتفت إليها الفنان الراحل محمد مرشد ناجي، بعد ذلك بأربع سنوات، لتصير، بلحنه العبقري وصوته، أيقونة غنائية ثورية، استُخدمت بكثافة في حرب الشطرين الثانية في فبراير 1979. ولم تزل هذه الأغنية، بعد نصف قرن، طرية، وكأنها كُتبت لهذه اللحظة المأساوية في حياة اليمنيين.
https://www.youtube.com/watch?v=By7dHllnTJU

الانتماء الطبقي للشاعر، وجذوره الفلاحية التي عركتها الأيام، جعلاه ينحاز في معظم نصوصه الغنائية، التي أدّاها الفنان عبدالباسط العبسي، إلى الأرض والإنسان. وطوال تاريخ التعاون الفني الطويل بينهما، أنتج الاثنان الكثير من الأغاني، منها:
«يا ورود نيسان يا شذى حبي»، وأغنية «يا خضبان وردك جماله ثاني»، وأغنية «باكر ذري»، وأغنية «يا نور أحلامي»، وأغنية «عروق الورد مستني رعودك»، وأغنية «متى وراعيه شمطر»، وأغنية «حنين الأرض يا سلمى»، وأغنية «يا هاجسي»، وغيرها الكثير.