صحيفة الثوري- كتابات:
اللواء الركن علي ناجي عبيد
لم يكن اختيار العميد نصر شايف سعيد لتأسيس عمليات جهاز أمن الثورة، ولاحقاً وزارة أمن الدولة/ فلجنة أمن الدولة، اختياراً صدفيّاً أبداً؛ فأساس ذلك الاختيار كان ناجماً عما يتميز به من طبائع فطرية مثل الهدوء والتماسك الذاتي والتفكير العميق وسرعة البديهة العالية، التي تمكنه من التفاعل العاجل وبشكل سليم عند مواجهة الأحداث الخطيرة، مما يؤهله كرجل عمليات لا بد أن تفرض عليه طبيعة عمله الدراسة العاجلة للحدث – أياً كانت خطورته المباشرة أو غير المباشرة – ومن ثم اتخاذ القرار المناسب مع الحدث بشكل ذاتي، ثم التواصل مع الجهات الدنيا والموازية (مثل العمليات الحربية بوزارة الدفاع وعمليات وزارة الداخلية) والعليا المسؤولة بشأنها، مع مقترح القرار الملائم لهذه الجهة أو تلك.
ودائماً ما كانت تأخذ برأيه مختلف الجهات، بما فيها الموازية والعليا في أمن الثورة/ الدولة، دون نقاش، اللهم في الاستيضاح. تلك الصفات مضافاً إليها مؤهلاته في الداخل والخارج.
لقد كان من ذلك النموذج كمرؤوس يقدم أوامره للجهات الأعلى منه، وهي صفة ضرورية وهامة لرجل العمليات، إذ إن مقترحاته تشكل الأساس لاتخاذ القرار من قبل الجهات الأعلى، ولهذا أُطلق على دوائر/ هيئات العمليات في أجهزة الدفاع والأمن وغيرها بأنها الجهات الوحيدة التي تأمر الجهات الأعلى منها، وذلك من خلال التفاعل العملياتي السريع والسليم مع الحدث – أياً كان نوعه – ولما تكتسبه دوائر العمليات من مكانة وهيبة كبيرتين.
لقد شكلت تلك الأهمية لدوائر العمليات ضرورة عالية في اختيار عناصرها من المراسل إلى أعلى مسؤول فيها.
تلك الصفات، إضافة إلى المؤهلات، جعلت اختيار العميد نصر شايف، وهو برتبة صغيرة، أن يكون مؤسساً لعمليات أخطر جهاز في الدولة.
أثبت جدارته في مختلف المراحل أثناء تسنمه قيادة عمليات أمن الدولة، مع ما لها من هيبة وأهمية في أخطر المراحل، سواء من حيث الصراعات الداخلية أو التكالب الخارجي ضد نظام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
عرفته من أواسط العام 1978م بعد ما سمي بأحداث سالمين المؤسفة، حينها ونتيجة لهذه الأحداث المؤسفة حُولت من اللواء 22 مشاة إلى دائرة العمليات الحربية بوزارة الدفاع كضابط عمليات، بعدها بأشهر عُينت رئيساً لشعبة العمليات بدائرة العمليات الحربية، حيث كانت تفرض طبيعة عملنا التنسيق الدقيق مع دوائر العمليات الموازية، وأقربها عمليات أمن الدولة التي يرأسها الفقيد نصر شايف وعمليات وزارة الداخلية.
من النادر ما سمعه الكثيرون من خارج مؤسسات أجهزة الدفاع والأمن، أنه كان هناك في تلك الفترة تنافس غير محمود بلغ حد التعصب المؤسساتي الضار فيما بينها، حيث أضر بكثير من جهودها بدءاً من الحصول على المعلومة الصحيحة عن النشاطات المعادية للدولة في الداخل والخارج.
كان يجري ذلك التنافس في ظل وجود دولة نظام وقانون، لكنه مع ذلك كان حاصلاً وأثر سلباً بشكل كبير.
كان الفقيد حينها يدير عمليات أمن الدولة، ويدير العمليات الحربية الرائد محمد بن عرب ذو البديهة والكفاءة العاليتين.
قدمنا له مقترح التنسيق الدقيق والسليم مع الدوائر الموازية في أجهزة الدفاع والأمن بشكل مباشر، وبعد التنسيق السريع مع رجل العمليات الاستراتيجي المقدم طيار قاسم عبدالرب، نائب رئيس هيئة الأركان العامة، أعطى التوجيه بتنفيذ ذلك المقترح.
اليوم وأنا أستعيد من الذاكرة بعض ردود الأفعال تجاه هذا المشروع، فقد كان النقيب حينها نصر شايف من أوائل المتفاعلين مع المقترح بشكل مباشر ودون الرجوع إلى جهاته المسؤولة الأعلى، لما يتمتع به من ثقة كبيرة بالنفس ومعرفته الدقيقة بتفكير المستوى الأعلى، الذي ولا شك سيرحب بمثل هذا العمل ذي المردود الإيجابي والنافع بشكل كبير، حيث عرفنا فيما بعد منه أن تلك الجهات كانت غير راضية عما يجري من تنافس وتبحث عن الحلول، وقد رأى الفقيد أن أنسب الحلول هو هذا التعاون الذي تكرس في لقاءات بين مسؤولي وضباط العمليات الثلاث، وهي الدفاع والداخلية وأمن الدولة، الذي انعكس إيجاباً على الميدان بين مختلف القيادات والوحدات في الريف والمدن وبكل المحافظات.
كان كل ذلك نتيجة مباشرة للفرصة التي أتاحت لنا الإمكانية ليس لتبادل المعلومات فحسب، بل والخبرات في كيفية التعامل معها واستثمارها بالشكل السليم.
كان الفقيد نصر أحد أهم خبراء عمليات أجهزة الأمن والدفاع، حيث قدم خلاصة خبراته مع رفاقه لخدمة البلاد في ظل تعاون وثيق بين دوائر عمليات أجهزة الدفاع والأمن، مما رفع من مستوى أدائها في ترسيخ أمن البلاد والدفاع عنها كما ينبغي.
لقد كان الفقيد العميد نصر شايف بحق خبير العمليات ورجلها الفذ بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
رحمه الله تغشاه وأسكنه فسيح جناته.
اللواء الركن
علي ناجي عبيد

