«صحيفة الثوري» – (رأي):
أ.د. محمد علي قحطان
للإجابة على هذا السؤال، يمكن مناقشة جزئية من الإجابة عليه، انطلاقاً من حالة محافظة تعز فقط، التي تعيش حالياً أسوأ وضع فُرض عليها، وذلك من خلال مناقشة عامة لمرتكزات التنمية الاقتصادية المتاحة، وما يمكن أن تكون عليه إن توقفت الحروب وتحقق السلام الدائم.
تعيش محافظة تعز، منذ بداية الحرب والحصار، أزمة غذائية حادة، مع ارتفاع حاد في معدلات البطالة والفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي، بسبب الحرب والحصار الذي تشتد وتيرته حالياً مع توسع اجتياح قوات جماعة الحوثيين لجميع مديريات المحافظة. وهي محافظة غنية بالأراضي الزراعية والموارد المرتبطة بها، بما يفي بتحقيق أمن غذائي عالي المستوى. ومع ذلك، تعاني من فقر غذائي حاد، نظراً لكثافتها السكانية، وعدم استغلال مقوماتها الزراعية والاقتصادية الأخرى، ودوامة الصراع والحروب الدامية التي تُفرض عليها بسبب موقعها الجيوستراتيجي المهم، كونها تشرف على واحد من أهم المضائق البحرية الدولية (مضيق باب المندب).
كان، منذ ما قبل الحرب القائمة، يتم تلبية الاحتياجات الغذائية لسكان المحافظة من المحافظات الأخرى والاستيراد من الخارج، بالرغم من كونها غنية بالأراضي الزراعية والثروات الحيوانية والسمكية، ومقومات هائلة ومتعددة للسياحة، كما توجد بها معادن سطحية وغير سطحية، تؤكد مصادر عدة توافرها بكميات تجارية، لا يُستغل منها سوى خامات صناعة الأسمنت وأحجار البناء.
وحتى لا يطول الشرح وندخل في زوايا مختلفة ونخرج كثيراً عن الموضوع، نأخذ مثالاً هو الشريط الساحلي الغربي للبحر الأحمر، التابع لمحافظة تعز فقط، والذي يمتد عبر خمس مديريات هي: المخا، وذوباب، والوازعية، وموزع، ومقبنة. وسنجد أن مساحة هذه المنطقة تزيد على نصف مساحة محافظة تعز، البالغة نحو 10040 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة صالحة للزراعة، لكنها غير مستغلة بالكامل، كما أشرنا إلى ذلك في مقالات سابقة. أي أن مساحة هذه المنطقة تتجاوز 5000 كيلومتر مربع. وكل هذه المساحة، كما أشرت، صالحة للزراعة، ويُستغل جزء بسيط منها في زراعة بعض المحاصيل وتربية المواشي، فيما لا تُستغل معظم مساحتها. ويمكن، في حالة استغلالها، تحقيق أمن غذائي كامل لمحافظة تعز، وتقديم مساهمة كبيرة في الأمن الغذائي لليمن، وتصدير الفائض إلى دول الجوار.
فعلى سبيل المثال، لو نظرنا إلى التجربة الهولندية، سنلاحظ أن هولندا دولة صغيرة المساحة، تُقدّر بنحو 42000 كيلومتر مربع تقريباً، ويُقدّر عدد سكانها بنحو 18 مليون نسمة. وكانت أراضيها مستنقعات وطيناً، وكانت فقيرة جداً، وكان عدد كبير من سكانها يموتون من الجوع بسبب الفقر والمجاعة.
ومن خلال ما أسموه مشروع «المثلث الذهبي»، وهو مشروع تنموي بالشراكة بين الحكومة والجامعات والشركات الزراعية، حققوا أعظم نهضة زراعية في العالم. إذ تم القضاء على الفقر في هولندا، وتحقق لها الأمن الغذائي، وأصبحت تصدّر جزءاً كبيراً من منتجاتها الزراعية وصناعات الأغذية المرتبطة بالزراعة إلى معظم دول العالم.
بينما تُقدّر مساحة اليمن بأكثر من 555 ألف كيلومتر مربع، وتمتلك مساحات واسعة جداً من الأراضي الزراعية، وأراضي أخرى واسعة صالحة للزراعة وغير مستغلة. ويتجاوز إجمالي عدد سكانها 40 مليون نسمة، حسب أحدث التقديرات. وتعيش اليمن الحالة نفسها التي كانت تعيشها هولندا قبل النهوض التنموي في مجال الزراعة والأغذية، من فقر وبطالة ومجاعة، وهناك أعداد كبيرة من المواطنين يموتون من الجوع.
وبهذه المناسبة، نورد مثالاً لما يحصل في اليمن من سلوك من قبل سلطات الحكم في الدولة في قضايا التنمية:
في إحدى المرات، قدمت مشروعاً للسلطة المحلية في مديرية المخا، يتضمن تنفيذ دراسة لإنشاء حزام أخضر من الأشجار، تكون مهمته حماية الأراضي من الكثبان الرملية التي تثيرها الرياح وتؤدي إلى تصحر الأرض، وفي الوقت نفسه حماية السكان من متاعب الأتربة.
وكما هو معلوم، فإن مدينة المخا مدينة تاريخية عريقة وثرية بالموارد الاقتصادية، إلى جانب كونها ترتبط بمساحة واسعة غنية بالثروات الطبيعية. إذ ترتبط بأربع مديريات أخرى غنية بالأراضي الزراعية والثروة الحيوانية وثروات معدنية أخرى. كما يوجد بها ميناء المخا ومطار دولي حديث، بالإضافة إلى مشاريع لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه لعموم محافظة تعز.
وهناك مشاريع أخرى يمكنها أن تجعل من المخا وامتدادها الجغرافي نموذجاً للتنمية، ينهض بقطاعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويحد من الصراعات السياسية والحروب، إذ ستتوفر للجميع فرص للعمل والحياة الكريمة.
ومن أهم تلك القطاعات الواعدة للتنمية: الزراعة، والثروة الحيوانية، والثروة السمكية، والسياحة، والصناعات المرتبطة بما هو متاح من الخامات الزراعية والثروات الحيوانية والسمكية والمعدنية، والسياحة، وصناعة السفن. إذ توجد هناك ورشة لصناعة القوارب، كما توجد مزارع طبيعية لتربية الجمبري، غير مستغلة.
وفوق ذلك كله، فإن هذه المنطقة موعودة بتنمية صناعية ترتبط بمشروع إنشاء جسر بحري يربط قارتي آسيا وأفريقيا، وهو مشروع جسر جيبوتي – ذوباب، المدخل البري لجزيرة ميون المطلة على مضيق باب المندب، التي من المقرر، حسب مشروع الجسر، إنشاء منطقة اقتصادية حرة مرتبطة بمشروع الجسر، الذي يتوسطه موقع جزيرة ميون المتحكمة بالمضيق. وهي المنطقة التي تشهد حالياً مواجهات عسكرية حادة، ضمن أجندات صراع إقليمي ودولي على مضيق باب المندب.
بلغت تكلفة تنفيذ الدراسة الخاصة بالحزام الأخضر 7500 دولار أمريكي فقط، تمهيداً لتنفيذ مشروع الحزام الأخضر واستغلال الموارد الاقتصادية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومع كل ذلك، لم يُعطَ المشروع أي اهتمام، وتُرك كغيره من المشروعات التنموية المهمة.
والجدير بالذكر أنه خارج مدينة المخا، وبالقرب من الميناء، أُنشئ محجر إقليمي لاستقبال المواشي المستوردة من دول القرن الأفريقي إلى اليمن، لتغطية احتياجات السوق اليمنية وإعادة تصدير المواشي إلى السعودية ودول الخليج العربي. وهو مشروع نُفّذ بعناية من منظمة التنمية الزراعية (الفاو)، التابعة للأمم المتحدة.
ما سبق يشير إلى أن اليمن تمتلك فرصاً هائلة للتنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي، وتحقيق أمن غذائي ومواجهة البطالة والفقر في عموم محافظاتها، ومنها محافظة تعز. إلا أن غياب الاستقرار السياسي، والحروب الداخلية، وكذا غياب الدولة الوطنية القادرة على حمل مشروع للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، هو ما يعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في اليمن، ويجعلها دولة متخلفة تدور في حلقة الفقر، وتُصنّف دولياً بأنها دولة فاشلة، يعيش سكانها على المساعدات الإنسانية.
فمتى تنتهي الحروب الداخلية ويتحقق السلام في البلاد، وكذا الاستقرار السياسي، وتوجد سلطة وطنية مستوعبة لمسؤوليتها التاريخية، وتكون بمستوى الوعي بما تملكه هذه الدولة الفقيرة الموبوءة بالصراع والقتال من أجل الوصول إلى السلطة ونهب الإيرادات وتعطيل النهوض التنموي، وتعمل جاهدة على استغلال ما هو متاح من الثروات والموارد الاقتصادية المنتشرة في جميع المحافظات اليمنية، وتحمل مشروعاً للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، يُخرج اليمن من دوامة الصراع والحروب وحلقة الفقر والفشل والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، ويسير بها نحو التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه عالمنا المعاصر؟
وبالتالي، تتوفر للجميع فرص العمل والعيش الكريم والتعايش والتنمية، ويعيش الشعب اليمني بكرامة كبقية شعوب دول العالم المتحضرة؟


