آخر الأخبار

spot_img

حين كان للدولة معنى

صحيفة الثوري – (رأي)

أحمد حرمل

كان الناس في الجنوب يعرفون الدولة لا بالاسم ولا بالعلم ولا بالنشيد، بل بشيء أعمق: بمواطنة كانوا يشعرون بها حين يقفون صفًّا واحدًا أمام القانون، وحين يتقاضى الموظف راتبه في نهاية الشهر لا مِنّةً من أحد، وحين يدخل الطالب الجامعة بدرجاته لا بشفاعة قبيلته، وحين يعالج المريض في المستشفى ببطاقة لا بوساطة.

كانت الدولة تُعطي الناس ما لا تعطيه القبيلة نعطي العدالة للجميع دون استثناء تُعطي الضعيف حقّه دون أن يضطر إلى الاستقواء، وتُعطي الغريب أمانًا دون أن يحتاج إلى واسطة.

كانت المساواة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية كان ابن الفلاح وأبن الرئيس ، وابن التاجر وأبن الفقير ، وأبن العامل وأبن الوزبر يجلسان على مقعد واحد في المدرسة، ويتقاضيان الراتب نفسه في الوظيفة، ويحاسبان أمام القضاء نفسه.

كان القانون شيئًا يُحترم لا لأن صاحبه قوي، بل لأنه قانون.

وكانت الفوارق بين الطبقات تتلاشى شيئًا فشيئًا، لا بالوعظ، بل بالسياسات بالتعليم المجاني، والخدمات الصحية المفتوحة للجميع، والوظيفة العامة التي تُمنح بالكفاءة لا بالنسب.

ثم حدث ما حدث غابت الدولة، فسقط كل شيء معها.

سقط القانون أولًا، ثم تسلّل الفساد من كل ثقب، فصار المنصب غنيمة تُورَّث، والوظيفة إرثًا عائليًا، والمال العام نهبًا مباحًا.

حين غابت الدولة بثقاغتها حضرت ثقافة “الفيد” والثأر، وانتشرت البلطجة وقطع الطريق لأتفه الأسباب والجبايات، وصار الناس يبحثون عن الحماية في القبيلة بعد أن فقدوا حماية الدولة.

والأدهى من ذلك كله عاد سؤال «أنت من فين؟» ليحلّ محلّ سؤال «من أنت؟». عاد الناس يُقاسون بأصولهم لا بأفعالهم، وبمناطقهم لا بكفاءاتهم.

ذاك السؤال الذي كان قد غاب في زمن الدولة، عاد ليسمّم كل شيء – التوظيف، والترقيات، والابتعاث الى الخارج للدراسة، وحتى العلاقات اليومية.

لهؤلاء الذين يتحدثون عن “اليمننة” وعن “الجنوب العربي” كتصحيح لما يسمّونه باليمننة، نقول: إن ما كان يميّز الجنوب حقًّا عن الشمال لم تكن هويته الجغرافية ولا شعارات جوفاء، بل وجود الدولته.

تلك الدولة التي جعلت الناس مواطنين لا رعايا، وأصحاب حقوق لا أصحاب واسطات.

الدولة التي ألغت سؤال «أنت من فين؟» وأحلّت مكانه سؤال «من أنت؟» — سؤال الكفاءة والمسؤولية، لا سؤال النسب والمنطقة.

من يريد تصحيح المسار، فليبدأ من هنا: بإعادة الدولة.

لا باسمها فقط، بل بعدالتها وقانونها ومساواتها. فالدولة التي نعنيها ليست شعارًا يُرفع، ولا لقبًا يُتنازع عليه، ولا حبرًا على ورق، بل وجود الدولة بمؤسساتها ووظيفتها وعدالتها وقوانينها وهيبتها وأمنها واستقرارها وسيادتها ، وسموّها ما شئتم .

اهم حاجة انكم تستعيدون الدولة كمنظومة قوانين وقيم دولة تحمي الضعيف قبل القوي، وتُحاسب الجميع أمام القانون نفسه، وتفتح أبواب التعليم والصحة والوظيفة على قاعدة الكفاءة لا المحسوبية، وتُعيد للكلمة معناها، وللحق صاحبه، وللمواطن كرامته.

وبدون ذلك، سيظل السؤال الأول في كل لقاء: «أنت من فين؟» — وسيظل الجواب هو الذي يحدد مصير الناس، لا ما يستحقونه.

أما حين تقوم الدولة بمؤسساتها وعدالتها وقانونها وهيبتها وأمنها واستقرارها، فحينها فقط سيتغيّر السؤال، وسيصير الجواب: «أنا مواطن، لي حقوق وعليّ واجبات، أحاسب بالقانون وأستحق بالكفاءة». تلك هي المسألة.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img