آخر الأخبار

spot_img

سلامٌ لمن غنّى لتعز وكتب وجعها وبطولاتها

«صحيفة الثوري» – (رأي):

نجيب الكمالي

وأنا أتابع ما يُكتب ويُقال عن تعز، أرى ملامح بطولية ترسمها دماء أبنائها في مواجهة الغطرسة الحوثية ومشروعها السلالي. توقفت عند الشيلات والقصائد الشعرية التي حملت اسم تعز، وخلّدت صمود أبنائها وتضحياتهم في مواجهة الحرب والحصار.

تعرفوا وش أجمل شيء رأيناه وسط هذه الحرب على تعز؟ مشاعر الإخوة الصادقة، والعواطف الجياشة، والخوف الحقيقي على مصير المدينة وأهلها. مشاعر جاءت من جنوب الوطن الغالي؛ من عدن والضالع وحضرموت والمهرة ولحج وشبوة وأبين وسقطرى. لم تبقَ هذه المحبة حبيسة القلوب، بل خرجت إلى العلن في قصائد الشعراء وشيلاتهم، وفي كتابات الصحفيين ومواقف المسؤولين، وفي كلمات الناس الذين شعروا أن ما تتعرض له تعز يعنيهم أيضًا.

ما رأيناه لم يكن مجرد تعاطف عابر مع مدينة تتعرض للحرب والحصار، بل تعبيرًا عن وحدة القلوب، وعن الاستعداد للتضحية والفداء، وعن شعور بأن دماء الأبطال الذين يدافعون عن تعز تستحق الوفاء، وأن معاناتهم لا ينبغي أن تمر وكأنها شأن تعزي لا يعني أحدًا.من بين هذه الأصوات، توقفت عند الشاعر عبدالقوي المفلحي اليافعي، الذي حمل تعز في كلماته، وجعل من الشيلة مساحةً للتعبير عن صمود أبنائها وتضحيات أبطالها. لفتني أن يأتي صوت من يافع ليغنّي لمدينة أنهكها الحصار، ويمنح أبطالها بكلماته تحيةً تليق بما يقدمونه من تضحيات. فالشعر حين يخرج من القلب يصل إلى القلوب، وحين يحمل قضية الناس يتحول من أبيات تُردّد إلى موقف يبقى في الذاكرة.

يا عبدالقوي، ليست قيمة ما تقدمه لتعز في جمال الكلمات وحده، بل في الرسالة التي تحملها إلى المقاتل في الجبهة، وإلى أمٍّ تنتظر ابنها، وإلى أسرةٍ تعيش تحت وطأة الخوف والحصار، وإلى كل من يتمنى أن تنتهي معاناة المدينة وأن تستعيد حياتها وأمنها. أنت تمنح هذه المعاناة صوتًا، وتنقل تضحيات الأبطال من حدود الجبهات إلى وجدان الناس، وتقول لأهل تعز إن هناك من يسمع وجعهم، ويتابع صمودهم، ويشاركهم الأمل في الخلاص من جماعة الحوثي الكهنوتية
والأجمل أن تأتي هذه الكلمات من يافع، بما تحمله من دلالة على أن روابط المحبة والتضامن تتجاوز المسافات والحدود المحلية. فتعز ليست بعيدة عن وجدان أبناء الجنوب، وما يقدمه شعراؤهم من قصائد وشيلات في مساندتها يعبّر عن مشاعر أخوة لا تحتاج إلى مناسبة كي تظهر، ولا ينبغي أن تتوقف عند حدود الأغنية أو المنشور.

كل التحية للشاعر عبدالقوي المفلحي اليافعي، الذي جعل من صوته تحيةً لتعز، ومن كلماته نافذةً على صمودها، ومن الشعر رسالة وفاء لأبطالها. فهناك قصائد تُقال ثم تُنسى، وهناك كلمات تبقى لأنها ارتبطت بوجع الناس وتضحياتهم، ولأنها قيلت في وقتٍ كان فيه أهل تعز بحاجة إلى من يرفع صوتهم ويؤكد أنهم ليسوا وحدهم.

ولم يكن التضامن مع تعز مقتصرًا على الشعراء. فقد جاءت كلمات الأستاذ سالم أبو بكر ثابت العولقي، وزير الخدمة المدنية والتأمينات، لتلامس وجع المدينة وتُنصف صمود أهلها، حين قال: «وإذا سألوك عن تعز، فقل لهم: مدينة تصبر صبر أيوب، وأهلها يلقفون إفك الحوثي كما تلقفت عصا موسى ما يأفكون».

توقفت عند هذه الكلمات؛ فالرجل لم يكن يصف مدينةً عابرة في نشرات الأخبار، بل يستحضر حكاية مدينة أثقلتها سنوات الحرب والحصار، ومع ذلك لم تنكسر إرادة أبنائها، ولم تنطفئ فيهم جذوة التمسك بأرضهم وكرامتهم. وحين شبّه صبر تعز بصبر أيوب، فقد لامس حجم المعاناة وطول الانتظار، وحين استحضر عصا موسى وهي تلقف ما يأفكون، منح عبارته صورةً بليغة للصراع بين الحقيقة والتضليل، وبين إرادة الناس ومحاولات إخضاعهم.

سلامٌ للأستاذ سالم، حين أنصف تعز بكلماتٍ تحمل معنى الصمود والإيمان بالنصر. ما أجمل أن يجد الوجع من ينصفه، وأن تجد التضحيات من يذكرها، وأن تأتي الكلمة من شخصية وطنية تؤمن بحق تعز والجنوب في الأمن والكرامة وتحقيق تطلعات أبنائهما. فبعض الكلمات تمرّ كنسمة عابرة، وبعضها يبقى في الذاكرة لأنه جاء في موضعه، وأنصف أهلًا يستحقون الإنصاف.

يا أستاذ سالم، كلماتك لم تواسي تعز بوصفها مدينةً تنتظر الشفقة، بل خاطبتها بوصفها مدينةً صامدةً وأهلها أصحاب إرادة وموقف. وهذه هي قيمة الكلمة الصادقة؛ أن ترفع معنويات المقاتل، وتمنح أسرته شعورًا بأن تضحياته مرئية، وتقول لأهل المدينة إن وراء الجبال التي تحاصرهم قلوبًا تنبض بمحبتهم، وأصواتًا تؤمن بحقهم في النصر والكرامة.

وفي الصحافة، لا يمكن أن أتحدث عن الأصوات التي ساندت تعز من دون أن أتوقف عند الصحفي فتحي بن لزرق. فهناك فرق بين أن تكتب عن مدينة لأنها تتصدر الأخبار، وأن تكتب عنها لأن وجعها يستحق أن يصل إلى الناس، ولأن تضحيات أبنائها لا يجوز أن تمر بصمت.

لفتني في موقف فتحي أن تعز حضرت في كتاباته بوصفها قضية تستحق أن تُسمع، لا مجرد خبر عابر بين أخبار الحرب. فالكلمة الصحفية حين تنقل صمود المقاتلين وأوجاع الأسر، تساهم في كسر جدار الصمت، وتمنح القضية مساحة تتجاوز حدود الجغرافيا. وتعز، بما حملته من جراح وما قدمه أبناؤها من تضحيات، تحتاج إلى هذا الحضور الإعلامي الذي يذكّر الناس بها، ويمنع أن تتحول سنوات الحصار إلى أرقام باردة في نشرات الأخبار.

ولأن فتحي بن لزرق صحفي جنوبي، فإن تضامنه مع تعز يحمل معنى إضافيًا في سياق العلاقة بين الجنوب والمدينة. فالمحبة لا تُقاس بالشعارات، بل بالمواقف التي تظهر حين يحتاج الآخر إلى من يقف معه. وما أجمل أن يجد أبناء تعز في صحفي من عدن صوتًا ينقل وجعهم، ويذكر ببطولاتهم، ويؤكد أن ما يتعرضون له ليس شأنًا بعيدًا عن الناس في الجنوب.

كل التحية لفتحي بن لزرق، وللقلم الذي يفتح نافذةً للمدينة حين يحاصرها الألم، وللصحفي الذي يدرك أن بعض المعارك لها أهميتها ولابد من إسنادها والوقوف بجانبها ونقل ذلك الي أصحاب القرار مسؤولية لا ينبغي أن تغيب.

ما يلفتني في هذه المواقف أن تعز لم تعد حاضرة في وجدان أبنائها وحدهم؛ فهناك شعراء وإعلاميون وصحفيون وكتّاب ومسؤولون من الجنوب وجدوا في صمودها قضية تستحق أن تُغنّى وتُكتب وتُروى. ومن يافع إلى عدن، ومن الضالع إلى حضرموت وشبوة وأبين ولحج والمهرة وسقطرى، تعددت الأصوات والوسائل، لكن المحبة الصادقة كانت حاضرة.

سلامٌ للشاعر الذي جعل من شيلته تحيةً لتعز، وللصحفي الذي كتب عن وجعها وبطولات أبنائها، وللمسؤول الذي عبّر عن صمودها بكلمات تحمل التقدير والوفاء، ولكل جنوبي عبّر عن تضامنه معها بصدق، وتمنى لأهلها الأمن والخلاص من العصابة الحوثية.

سلامٌ لمن غنّى لتعز، وكتب وجعها وبطولاتها، ولأبناء الجنوب الذين عبّروا عن تضامنهم معها بالكلمة والموقف، وقالوا لأهلها: لستم وحدكم.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img