صحيفة الثوري – (رأي)
نجيب الكمالي
ليست معركة تعز مجرد حرب على الأرض، بل مواجهة مع فكرة تريد إخضاع اليمنيين وإقناعهم بأن الحكم حق حصري لسلالة بعينها. فحين يُغيَّب الوعي، يجد الاستبداد طريقه إلى العقول قبل أن يفرض سيطرته على المدن. وهنا تكمن خطورة المشروع الحوثي؛ فهو لا يريد السيطرة على الأرض وحدها، بل يسعى إلى إخضاع الناس لفكرة أن بقية اليمنيين خُلقوا لطاعة سلالته.
وحين يعجز عن فرض هذه الفكرة، يلجأ إلى القوة، ويستثمر في الجهل والفقر، ويؤجج العصبيات الطائفية والمذهبية والقبلية، ويحشد القبائل ضد المدن الحرة التي ترفض الخضوع، مستهدفًا إياها بالحرب والحصار.
وتعز حكاية تختصر هذه المعركة.
منذ نحو اثني عشر عامًا، تواجه المدينة حربًا وحصارًا فرضتهما جماعة الحوثي. نزفت دمًا، وتحمل أهلها معاناة قاسية، لكنها لم تنحنِ، ولم تقبل أن يكون النسب مبررًا للحكم، أو الوصاية بديلًا عن إرادة الناس.
ما يجري في تعز ليس صراعًا على الشوارع والمواقع وحدها؛ إنها معركة يخوضها أبناؤها دفاعًا عن مدينتهم وحقهم في تقرير مستقبلهم. وهنا يتصل الوعي مباشرة بالميدان: أن يعرف المقاتل لماذا يقاتل، وأن يدرك المواطن حقيقة المشروع الذي يواجهه، وألا تتحول سنوات الحرب والجوع إلى وسيلة لانتزاع إرادته.
لقد راهنت جماعة الحوثي على أن الحصار وطول الحرب سيكسران تعز، وأن المعاناة ستدفع أهلها إلى الاستسلام. لكن المدينة صمدت، وظل أبناؤها يقاومون مشروعًا يريد أن يجعل اليمنيين درجات، ويمنح فئة حقًا لا يملكه سواها.
تعز مدينة القلم والجامعة والكلمة، وهذه ليست مجرد صفات نتغنى بها؛ إنها مسؤولية تفرض على أبنائها الحفاظ على دورها في التعليم والفكر والحياة المدنية، وجعل تضحياتهم أساسًا لمستقبل لا تحكمه الخرافة ولا تصادره الوصاية. فالمطلوب ليس أن تبقى تعز صامدة فحسب، بل أن تخرج من هذه الحرب أكثر قدرة على حماية إرادتها وصناعة مستقبلها.
وأنا أرى أن أخطر ما يمكن أن تخسره تعز ليس موقعًا عسكريًا، بل أن تفقد البوصلة التي جعلتها ترفض الخضوع منذ البداية. فالسلاح قد يحمي موقعًا، لكن الوعي هو الذي يحمي القضية، ويمنح التضحيات معناها.
تعز لا تدافع عن أرضها وحدها؛ إنها تدافع عن حق أبنائها في اختيار مستقبلهم، وعن حق اليمنيين في ألا يحكمهم النسب أو تُصادر إرادتهم بالقوة.
ولهذا أقول: قد يطول الحصار وتتواصل الحرب، لكن تعز التي رفضت الخضوع لن تقبل أن يكون مستقبلها مرهونًا بالخوف. وأنا أؤمن أن معركتها لا تنتهي بتحرير المدينة من الحصار، بل تمتد إلى تحرير وعي اليمنيين من الخرافة والوصاية؛ فالأرض لا تتحرر حقًا ما لم يتحرر الإنسان في فكره وإرادته.
وسيظل قلم تعز شاهدًا على مدينة لم تنحنِ للسلالة والكهنوت، وعلى إرادة لا تُهزم ما دام أبناؤها متمسكين بحقهم في الحرية والكرامة، وبمستقبل يليق بتضحياتهم.


