آخر الأخبار

spot_img

هل للعدالة صوت رجل وصوت امرأة..؟!

صحيفة الثوري – (رأي)

إلهام محمد زارعي

ما أغرب ميزانًا تُوزن فيه الأفعال لا بحقيقتها، بل بجنس أصحابها. فيقول الرجل كلمته وتُسمّى حزمًا، ولكن عندما تقولها المرأة تُسمّى تمرّدًا. يصمت فيُقال حكيم، وتصمت فيُقال ضعيفة او تلعب دور الضحية . يخطئ بإصرار فتُفتح له أبواب الأعذار، وتصمد أمامه بقوة فتُغلق في وجهها نوافذ الرحمة.. فأيّ عدالة هذه التي يتبدّل وجهها بتبدّل الوجوه؟ وهل للحق جنس، وللكرامة ميزانان؟

إن أخطر الظلم ما ارتدى ثوب الرتبة والمقام حتى ظننّاه فضيلة، وتسلّل إلى التربية حتى أصبح ميراثًا تتناقله الأجيال. نعلّم الفتاة أن تتنازل لتُحَبّ، ونعلّم الفتى أن يسيطر ليُحترَم، ثم نتساءل لماذا اختلّ ميزان العلاقات.. ننسى أننا لا نورّث أبناءنا ممتلكاتنا فحسب، بل نورّثهم أيضًا أحكامنا المسبقة، وأن الظلم حين يُزرع في الطفولة قد يُحصد في المستقبل باسم التقاليد.

فالروح الإنسانية لا تُذكَّر ولا تُؤنَّث، والصدق والرحمة والحكمة والشجاعة ليست امتيازًا لرجل ولا هبةً لامرأة، بل فضائل تسمو بها النفوس. وليس الإنصاف أن نرفع أحدهما على حساب الآخر، فالأرواح لا جنس لها، بل أن نحرّرهما معًا من وهم التفوّق؛ فكيف لطائر أن يبلغ السماء بجناحٍ حرّ وآخر مقيّد؟

والعدالة لا تبدأ في المحاكم وحدها، بل على مائدة الأسرة، حين يُحترم رأي الأم كما يُحترم رأي الأب، وحين يتعلّم الأبناء أن القوة مسؤولية لا تسلّط، وأن المحبة لا تعني التنازل عن الكرامة. فما قيمة مجتمع يرفع شعارات المساواة في ساحاته، ثم يهدمها في بيوته ومجالسه؟

إن الرجل لا يخسر مكانته حين ينصف المرأة ويعتذر عن أخطائه، بل يسمو بإنسانيته، والمرأة لا تطلب فضلًا حين تطالب بحقها وهي تعمل بصمت، بل عدلًا لا ينبغي أن يكون موضع مساومة. فالظلم لا يصبح حقًّا لأننا ورثناه، والعادة لا تصبح مقدّسة لأننا اعتدناها، والمحبة التي تخلو من الإنصاف قد تتحوّل إلى قيدٍ نزيّنه بأجمل الكلمات.

ولعلّ أعظم درس ينبغي أن نورّثه لأبنائنا هو أن العدالة لا تملك صوت رجل ولا امرأة، بل ضميرًا لا يتلوّن بالمصلحة ولا ينحاز للجنس ولا يتقيد بالرتبة والمقام. فليس انتصار المرأة أن تهزم الرجل، ولا انتصار الرجل أن يُخضع المرأة؛ إنما انتصارهما معًا أن يهزما الظلم في داخل الإنسان. وحين يصبح الحق واحدًا للجميع، لن نحتاج إلى السؤال: هل للعدالة صوت رجل وصوت امرأة؟ لأن صوتها سيكون الإنسان.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img