«صحيفة الثوري» – (رأي):
أ.د. عبدالله غالب المعمري
تعز اليمنية هي عكا، هي مدينة ديان بيان فو الفيتنامية، هي الفلوجة في العراق، وغزة في فلسطين، ومصراتة في ليبيا، وإدلب في سوريا، ولينينغراد أوبلاست الروسية؛ ستبقى عصية على جحافل الغزاة المستبدين العصبويين.
يا تعز، يا جمرة أكتوبر وسبتمبر التي لن يُطفئها حقد الكهنوت وعجرفته.
تعز، يا سجدة الجمهورية في محراب اليمن الجريح، يا مدينةً كلما اشتد عليها ليل الحصار، أخرجت من أعماق وجعها ألف فجر، وكلما ظن تتار العصر أن أبوابها أُغلقت إلى الأبد، فتحت في جدار المستحيل نافذةً تطل منها شمس الحرية!
هنا تعز… حيث يُمتحن التاريخ، وتُستفز الناس، وتهتز الجبال، ويقف الحصار المميت عارياً أمام شعبٍ لم يتعلم فلسفة الركوع للهيمنة، والهمجية، والسفالة!
تعز ليست جدراناً إسمنتية محاصرة، ولا شوارع مغلقة تنتظر عابراً يفك عنها العزلة، ولا مدينةً تُقاس حياتها بكمية العذاب الهائل الذي يطوقها من الجهات الأربع.
إنها تعز، روح جمهورية متمردة، ورافعة الثورة، وحاملة مشروع الدولة المدنية؛ قصيدة كتبتها بدم شهداء الحرية على سفوح جبالها، ونشيد ثورة، وترتيل صلاة تصدح في عقر جبهات المدينة.
هي تعز الصامدة حين ضاقت الأرض واتسعت رقعة المقابر، وحين صار الخبز أمنيةً، والماء والدواء والغاز رحلةً من العذاب، والعودة إلى البيت معجزةً يوميةً ينتظرها الناس.
إنها تعز التي لم تمنح الحصار حق تعريفها، ولم تسمح لوجع الفقد أن يصادر هويتها، ولم ولن تسلّم مفاتيح بواباتها، مفاتيح روحها، لمن أرادوا تحويل اليمن إلى مملكة للخوف والطاعة والاستبداد والقتل اليومي.
كانت تلك المدن المحاصرة التي ذكرتها أعلاه محطات مفصليةً في تاريخ كفاح الشعوب وصمودها، واليوم تحاكي تعز تلك التجارب، حيث تواجه معركتها الخاصة نيابةً عن الإقليم ضد ذراع الاستعمار الفارسي؛ معركةً تتشابك فيها الجغرافيا بالسياسة، وبالدين، والهوية، والحصار بالاستنزاف اليومي، والمأساة الإنسانية بالسؤال الأكبر عن الدولة والجمهورية ومستقبل اليمن.
يا لها من مفارقة موجعة!
تعز اليوم مدينة تريد أن تتنفس الحرية، فيما تختنق بقية مدن الجمهورية بين سطوة الخوف، وعجز السياسة، وتنازع المشاريع الرخيصة التي تراكم أسباب الانقسام في داخلنا.
تعز… أيتها المدينة الثائرة، في محرابك تتوضأ الكلمات بدموع الأمهات، ويرفع الفقراء أكفهم إلى السماء، ويصير الصبر معك ناراً في الضمير، وتصير الحرية ذكراً لا ينقطع على شفاه الذين تعبوا من النكران، ومن الخذلان، ومن الإهمال، ومن النسيان المتعمد، ولم يتعبوا بعد من الحلم.
يا أبناء اليمن في كل الجهات، إن معركة تعز تبدأ من وحدة طاقات اليمنيين: من وحدة بندقية الجبهات العسكرية، ومن وحدة الساحات المدنية وخروج الجماهير. فالحصار لا يُفك بنصف معركة، ولا بنصف موقف، ولا بنصف بندقية. وإن الجمهورية لا تُستعاد بالانتظار وتبادل الاتهامات، وإن المعارك الوطنية المصيرية الكبرى لا ينهض بها فصيل يريد أن يحتكر الوطن، أو حزب يظن أن الحقيقة وُلدت في مقره، أو زعيم يتوهم أن مصير البلاد مرهون ببقائه.
إنها لحظة استعادة الروح النضالية من سباتها، واستعادة السياسة من عبثها، واستعادة إمكانات الدولة من تشتتها.
يا يمن، أين كوادر القوى الوطنية التقدمية؟ أين اليسار والقوميون والليبراليون والإصلاحيون وسائر المؤمنين بالجمهورية؟ أين قيادات النقابات والاتحادات؟ وأين الأنتلجنسيا اليمنية، وكوادر الجامعات اليمنية، والوجوه الاجتماعية؟
أين المبادرات التي تحوّل التضامن مع تعز من سفسطة إلى ضغط سياسي وإنساني منظم؟
فالجمهورية ليست ملكاً لتعز ولا لحزب، ولا غنيمةً لفصيل، ولا إرثاً لعائلة، بل إنها حق اليمنيين جميعاً.
لن يكون الحصار قدر تعز الأخير، وتعز لن تسقط. قد يطول الظلم، وقد تتكاثر الخيبات، وقد تتعثر السياسة في وحل المصالح المبتذلة، لكن التاريخ لا يمنح المدن شهادات الخلود لمجرد أنها تألمت بما يكفي.
تعز، أنتِ النصر وأنتِ الهزيمة. تعز، أنتِ المبتدأ وأنتِ الخبر. فلتكن، يا تعز، معركة فجر اليمن فجرَكِ؛ فجر الحياة والخلاص من التيه، وليكن انتصاركِ بداية خلاص الوطن كله من براثن الاستبداد، لا نهاية معركة تُورث لنا معركةً أخرى.


