آخر الأخبار

spot_img

تعز… حين يتوضأ الجبل بالدم ويصلي الجندي في محراب النار

«صحيفة الثوري» – (رأي):

أ.د. عبدالله غالب المعمري

بدأت جوقة الإرجاف تعزف نشيدها القديم؛ هذا يخوّن، وذاك ينعى، وهذاك يولول، وثالث يوزّع الهزيمة قبل أن تبدأ المعركة، وكأن تعز مدينة بلا ذاكرة، وكأن تضاريسها لم تحفظ منذ سنوات طويلة أسماء الذين مرّوا من هنا وتركوا على جبالها وشوارعها عهداً لا يسقط.

يا هؤلاء… اخفضوا أصواتكم قليلاً، فثمة مدينة هناك لا تسمع ضجيج الجوقة.

مدينة تصلّي كلها في محراب النار، وتغسل وجهها كل صباح بماء الصبر، وتشدّ على جراحها كما يشدّ العابد على سبحة طويلة في آخر الليل… فلا تقتلوها مرتين.

تلك هي تعز؛ من صبر إلى المسراخ، ومن جبل حبشي إلى المعافر، ومن المظفر وصالة إلى الشمايتين ومشرعة وحدنان، ومن الدفاع الجوي إلى التربة، ومن الجبهة الشرقية إلى الشقب… تمتد روح تعز كجسر نور في صدر تسونامي الحوثي.

هناك، حيث لا تصل أبواق المتاجرين بالخوف والشماتة، يقف رجال الجيش والمقاومة الشعبية؛ لا يكتبون بيانات ومنشورات الهزيمة، ولا يصدرون اليأس، إنهم يكتبون بالصبر ما عجزت عنه أبواق المرجفين والمتخاذلين والمنهزمين.

أما الذين استعجلوا توزيع صكوك المهزلة، وراحوا ينسجون الروايات من خلف الشاشات ووسائل التواصل، فنقول لهم:

لا تجعلوا خوفكم من المشهد معياراً لشجاعة الآخرين، ولا تحوّلوا القلق إلى اتهام، ولا تجعلوا لحظة اشتداد المعركة ذريعة لجلد الذين يقفون في وجهها.

فاعلموا أن تعز لم ولن تُودّع الميدان، تعز لم ولن تغادر المعركة، تعز فقط دخلت أعمق في صمتها، وفي تقييم ذاتها وترميم وضعها. والصمت عند المدن العظيمة ليس استسلاماً… بل هو اللحظة التي يتجمع فيها البرق داخل الغيمة.

فلا تستعجلوا عليها؛ إن لتعز موعداً مع النصر، ولو بعد حين.

وسيكتشف الذين جعلوا من الإرجاف مهنة، ومن التخوين تجارة، ومن الخوف سلوكاً، أن المدن التي تحمل في ذاكرتها وجعاً بهذا الحجم لا تموت بسهولة، ولا تستسلم كبقية المدن الهلامية.

يا أبناء تعز، لا تجعلوا إحدى صور الحرب بينكم وبين بعضكم؛ فالعدو الحقيقي لا يحتاج إلى بندقية يقاتل بها، حين يستطيع أن يجعل الأخ يشك في أخيه، والمقاتل يشك في رفيقه، والناس يلتفتون إلى بعضهم بريبة، بدلاً من أن يلتفتوا إلى الخطر الذي يلتف حول رقاب الجميع.

اجعلوا من اختلافكم بناءً لجدران الجبهات، واجعلوا وحدتكم ناراً لا تنطفئ؛ فالطريق إلى النصر لا يمر عبر الشتائم، ولا عبر تخوين الناس، ولا عبر صناعة الأعداء في الداخل، ولا عبر الانبطاح والتسليم.

الطريق يمر عبر الثبات، والوعي، والتلاحم، وإسناد من يقفون في الميدان، وحماية الحاضنة الشعبية، وإبقاء راية الدولة فوق كل راية.

تعز لا تبحث عن معجزة؛ تعز نفسها هي المعجزة، هي السؤال وهي الجواب، هي المدينة التي كلما ظنوا أنها انطفأت، خرج من رمادها صبح جديد، جيل ثوري جديد يتشكل داخل قلب المعركة. إنه جيل الجبل الذي كلما اشتدت عليه العاصفة الهوجاء، ازداد رسوخاً.

لا تراهنوا على سقوط مدينة تعلمت أن تجعل من الألم طريقاً، ومن الصبر عبادة، ومن الشهادة ذاكرة، ومن الحرية عهداً.

تعز لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، وإذا تكلمت، فلن يكون صوتها صراخاً؛ سيكون صوت جيل ثوري جديد يخرج من محراب النار، ويحمل راية الدولة المدنية، ويمشي بها نحو الأهداف التي نريد، وحينها… سيبلع المرجفون والمتحوثون ألسنتهم.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img