آخر الأخبار

spot_img

سيطرة الحوثيين على باب المندب.. قراءة أولية في الأسباب والتداعيات

خلاصة مركزة لجلسة نقاشية نظمها منتدى مهام اليمن ٢٢ سبتمبر/ أيلول ٢٠٢٦

صحيفة الثوري – متابعات 

تحرير: يعقوب العتواني

مقدمة

مثّل وصول جماعة الحوثي إلى باب المندب في الثلث الأول من شهر سبتمبر 2026 بعد إسقاطهم لنحو ست مديريات محاذية لساحل البحر الأحمر صدمة كبيرة على أكثر من مستوى. تظهر الصدمة في ارتباك اللغة أمام ما حدث، بين من يصفه بالهزيمة ومن يرفض ذلك ويقول أنه كان انسحاباً. آخرون يفضلون استخدام “انهيار”، بينما يجد البعض أن أيا من هذه المفاهيم لا تحيط بالأبعاد الكارثية لهذا التطور الخطير، لأنه ليس أقل من “زلزال”.

في كل الأحوال، ما هو أهم من التسمية هو أن تأتي في سياق البحث عن فهم حقيقي لما حدث، وإخراجه من تحت وطأة الصدمة إلى فضاء النقاش الجاد. وقد نظم منتدى مهام اليمن في سبيل ذلك جلسة نقاشية عقدت مساء الثلاثاء ٢٢ سبتمبر/ أيلول ٢٠٢٦، على منصة إكس، ومن خلالها قدم المتحدثون قراءة أولية للسؤال الكبير مع الاعتراف المسبق أن الإجابة عليه لن تكتمل حالياً، لأنها بحاجة إلى الوقت الكافي في المقام الأول، ثم إلى إحساس عال بالمسؤولية تجاه الحقيقة من قبل المعنيين.

في هذا التقرير الموجز قمنا باستخلاص أبرز الافكار والمقاربات التي وردت في الجلسة النقاشية، حول أسباب وتداعيات ما حدث على عدة مستويات: ميداني وتقني وسياسي. نضعها بين يدي القراء والمهتمين، كمساهمة في اثراء النقاش العام.

ما حدث كان زلزالا

“ما حدث أكبر من هزيمة، هو زلزال حقيقي بالمعنى السياسي”. بهذه الجملة افتتح الباحث السياسي مصطفى ناجي مداخلته في الجلسة النقاشية، وأضاف أن هذا الزلزال لا يقتصر على اليمنيين، بل يشمل أيضاً الدول المشاطئة للبحر الأحمر والإقليم والعالم، وإن كان البعد الأخير سيتكشف أكثر مع الوقت.

قال الباحث إن أهمية التطورات لا تكمن في نتائجها العسكرية المباشرة فحسب، وإنما في كونها كشفت، بحسب تقديره، عن اختلالات متراكمة في أداء القوى المناهضة للحوثيين، سياسياً وعسكرياً واجتماعياً، وأعادت طرح أسئلة تتعلق بأهداف الحرب وطبيعة التحالفات التي تتحرك ضمنها الحكومة اليمنية.

رأى ناجي أن تفسير ما حدث باعتباره إخفاقاً عسكرياً محضاً سيكون قاصراً، مشيراً إلى أهمية البحث فيما إذا كانت الهزيمة نتاجاً لأوجه قصور تقنية وقتالية فقط، أم أنها نتيجة تراكم عوامل سياسية واجتماعية واستخباراتية وعسكرية.

وفي هذا السياق، دعا إلى مراجعة شاملة تشمل الأداء العسكري خلال السنوات الماضية، وطريقة إدارة المعارك الأخيرة، والأداء السياسي للحكومة، وعلاقاتها الخارجية، فضلاً عن طبيعة القوى المنضوية في المعسكر المناهض للحوثيين والديناميات السياسية التي حكمت مناطق الحكومة خلال أكثر من عقد.

وقال إن التطورات الأخيرة أوجدت، للمرة الأولى ربما منذ سنوات، شعوراً لدى مختلف القوى اليمنية بوجود «تهديد وجودي»، رغم الخصومات والخلافات العميقة بينها، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة بناء وهيكلة داخل هذا المعسكر.

وقد رصد عاملين رئيسيين للانهيار الذي حدث، أحدهما يتمثل في أن خصوم الحوثيين لم يتعاملوا مع الجماعة باعتبارها تخطط لمعركة واسعة، ولم يأخذوا تهديداتها وخطابها على محمل الجد، إذ جرى التعامل مع جزء كبير منه في بعده الدعائي فقط. هذا التقدير، في نظر ناجي، كان خاطئاً، لأن الخطاب الحوثي، حتى عندما يأخذ طابعاً دعائياً، كان يسير بالتوازي مع خطوات عملية متدرجة، ولذلك لزم النظر التهديدات باعتبارها مؤشرات على نوايا فعلية لأنهت تصدر عن جماعة عقائدية ليس لها سقف سياسي معين.

يشير الباحث إلى أن الحوثيين استعدوا، لهذه المواجهة على مدى نحو أربع سنوات، من خلال التجنيد والتعبئة وبناء القدرات العسكرية، بالتزامن مع إعداد نفسي وعقائدي استهدف شرائح عمرية صغيرة، وتحديداً الناشئة، بهدف إعداد مقاتلين مرتبطين فكرياً بالجماعة ومستعدين للانتحار في سبيل مشروعها.

لم يقتصر التحضير، وفق الباحث، على الجانب البشري والتعبوي، بل شمل تطوير القدرات العسكرية والبحرية والصاروخية، وإجراء تدريبات ومناورات، وتوسيع استخدام الصواريخ والزوارق المفخخة ووسائل الاستهداف المختلفة.

كما يشير إلى أن الجماعة استثمرت السنوات الماضية في دراسة خصومها، واستغلال الخلافات والانقسامات داخل معسكرهم، فضلاً عن تطوير قدراتها الاستخباراتية والتقنية.

ويذكر في معرض حديثه أن تقارير إعلامية تحدثت عن استخدام الحوثيين بيانات تقنية مرتبطة بخدمات «آي كلاود» في عمليات استهداف دقيقة، معتبراً أن التطور في هذا الجانب يمثل أحد العوامل التي ساهمت في رفع دقة الضربات خلال المواجهات الأخيرة.

ولفت ناجي الأنظار إلى أن الحوثيين طوروا كذلك أدواتهم الإعلامية والتعبوية، فلم يعد خطابهم موحداً، وإنما أصبح أكثر تخصيصاً وفق الشرائح والمناطق المستهدفة.

وبحسب قراءته، استفادت الجماعة من حالة السخط والمصالح والانقسامات المحلية لتعبئة أفراد واستخدامهم ضد خصومها في مناطقهم، بالتوازي مع خطاب عقائدي مكثف استمر طوال سنوات الإعداد.

يضع ناجي التطورات الأخيرة في سياق أوسع يتعلق بوضع الحوثيين الداخلي. فالجماعة، بحسب تقديره، كانت تواجه صعوبات اقتصادية ومعيشية، ولذلك فإن تحقيق إنجاز عسكري كبير يوفر لها رواية سياسية جديدة، تمكنها من تقديم هذه الصعوبات باعتبارها جزءاً من ثمن المواجهة العسكرية.

ورأى أن نجاح الجماعة عسكرياً يمنحها أيضاً فرصة لتثبيت صورة القوة التي يصعب مواجهتها، وهي صورة لا تستهدف الداخل اليمني فقط، بل يمكن أن تؤثر في حسابات الأطراف الإقليمية والدولية تجاهها.

استعدادات الحوثيين كانت واضحة

من جهته، قال محمد القاضي، وهو صحفي وباحث في قضايا الصراع، إن الاستعدادات الكبيرة لجماعة الحوثي للهجوم على الساحل كانت معلومة، ورأى أن شرارة البداية كانت وصول رحلات طيران ماهان إير الإيرانية إلى مطار صنعاء في يوليو.

“كانت الرحلات اختباراً لرد فعل الحكومة اليمنية والسعودية”، قال القاضي، مرجحاً أن أحد الأهداف الأساسية لهذه الرحلات كان جر الرياض إلى المعركة بين طهران وأمريكا.

أشار القاضي إلى الفارق الكبير في الاستعدادات بين الطرفين. ففي حين كرست جماعة الحوثي جهدها كله لمعركة فاصلة في الساحل، كان الطرف الحكومي يتحدث في السوشل ميديا عن تحرير صنعاء، بينما لا يزال يعاني من التقسيم والصراعات البينية التي طفت إلى السطح فور الهزيمة التي حدثت في الساحل.

ركز الحوثيون في بداية هجومهم على استهداف مركز القيادة والسيطرة للمقاومة الوطنية، الأمر الذي ساهم بقوة في ” فقدان التنسيق والتواصل بين القوات الحكومية في الساحل، وساهم اختراق الاتصالات في الانهيارات المتسارعة” بحسب وصف القاضي الذي عزا أيضاً لسقوط منطقة الكدحة التي يسيطر عليها محور تعز العسكري في بداية الهجوم تأثيراً على النتيجة النهائية. تتضمن المنطقة خطاً رابطاً بين مركز مدينة تعز ومدينة المخا، وهو ما حرم مديريات الساحل من إمكانية الإمداد كما رأى المتحدث.

وافتقدت القوات في الساحل، من وجهة نظره، للإسناد الجوي أيضاً، وهو ما منح الحوثيين أفضلية جوية من خلال المسيرات الانتحارية والصواريخ التي اعتمدوا عليها بكثافة.

الأبعاد التقنية

نقطة الإعداد الحربي نفسها كانت أيضاً نقطة انطلاق، فقد ركزت مداخلة الخبير العسكري ناظم العقلاني، على البعد التقني في انهيار جبهات الساحل. تضمنت هذه الاستعدادات الاستفادة من خبرات إيرانية كبيرة جداً في جانب الاتصالات وتوظيف برامج الذكاء الاصطناعي في محاكاة الطيران وتوجيه الصواريخ.

انعكس ذلك في تضييق هامش خطأ الصواريخ الباليستية التي أطلقها الحوثيون إلى أقل من 10 أمتار، في حين أن المعتاد أن يمتد هامش الخطأ من 50 إلى 100 متر، حد قول العقلاني الذي لم يستبعد أن تكون روسيا هي من تزود إيران بهذه القدرات، والأخيرة تمنحها لوكلائها.

وبالنسبة للاتصالات، كشف العقلاني أن وحدات الرصد في تشكيل حراس الجمهورية، أحد تشكيلات المقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح، رصدت أكثر من 5 ألف جهاز لا سلكي خلال يستخدمها الحوثيون خلال أيام المعركة. عدد هذه الأجهزة يعطي فكرة عن حجم التحشديدات الحوثية بالنظر إلى أن الجهاز الواحد يمنح لفصيل لا يقل عن عشرة أفراد.

إلى ذلك، استفادت الجماعة من سيطرتها على شركات الاتصالات في اليمن خلال هجومها على الساحل. وأورد الخبير العسكري أن الجماعة استخدمت برمجيات معينة وألصقتها في أبراج الشبكات التي تغطي مناطق الاشتباكات من أجل اختراق مكالمات الخصوم وبياناتهم وتتبع حركة المقاتلين من خلال هواتفهم.

ورأى العقلاني أن الجماعة وظفت مفعول الصدمة من خلال الاستهداف المكثف لمراكز القيادة بالقذائف الموجهة والصواريخ. “أول مرة يتم استخدام صواريخ باليستية إلى متارس في النسق الأول” أضاف العقلاني.

نوه أيضاً إلى ميزة حاسمة استفادت منها الجماعة؛ ففي حين كانت قد أعدت قواتها على ثلاثة أنماط من مسارح العمليات: بري وجبلي وبحري، طبقاُ لتنوع التضاريس في مديريات الساحل. في مقابل ذلك اقتصر تدريب القوات التي يقودها طارق صالح على نمط واحد، ولم تُختبر في معركة فعلية قبل الهجوم الأخير.

وبعد الإضاءة على نقاط التفوق التقني للحوثيين، عاد العقلاني للتأكيد على أن ما مكن الحوثيين من الوصول إلى باب المندب في النهاية كان العشوائية وسوء إدارة المعركة من قبل القوات الحكومية في الساحل، مستشهداً بتوقف زحفهم لاحقاً أمام تشكيلات عسكرية بمستوى تسليح متواضع، وهو ما حدث في جبهات غربي تعز فور استيعابها لتكتيكات العدو.

كانت انهيار مفاجئ وسيطرة سهلة

كان الصحفي علي جعبور متواجداً في الساحل الغربي الذي يشمل عدة مديريات من محافظتي تعز والحديدة خلال المعركة التي شنتها جماعة الحوثي منذ مطلع سبتمبر الحالي. قال إن انهيار قوات المقاومة الوطنية “كان مفاجئاً لنا كمواطنين وصحفيين وحتى بعض العسكريين”، وفي جملة إضافية تختزل جنون ما حدث، تابع جعبور “حتى جماعة الحوثي لم تتوقع السيطرة على كل هذه المساحة بهذه السهولة”.

جعبور تحدث عن التحولات السريعة التي حدثت خلال المعركة التي استمرت بالكاد لأسبوع، وكانت قد بدأت باختراقات خطيرة حققها الحوثيون في 4 سبتمبر في منطقة البرح غربي تعز وفي جبهات مديرية حيس جنوبي الحديدة.

استخدم الحوثيون “سياسة الأرض المحروقة” على حد وصف جعبور في قصف جبهات الساحل منذ شهر أغسطس، ومع ذلك فإنه لم يعزو ما حصل إلى قوة المليشيا، بل أشار إلى انسحابات مفاجئة ل “ألوية كاملة” من مواقعها في جبل دباس في حيس.

ومع أن الامدادات العسكرية من قوات العمالقة التي وصلت من عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية، تمكنت في بداية الأمر من عكس الهجوم في هذه المنطقة وحالت دون سقوط مدينة حيس، إلا أن الحوثيين كانوا قد عززوا دفاعاتهم في دباس وعززوا قواتهم هناك بشكل كبير .

وخلال الانسحاب الكبير الذي بدأ مساء التاسع من ديسمبر، روى جعبور أنه قابل العديد من الجنود القادمين من الجبهات المختلفة، بما فيها جزر باب المندب، وكانوا قد فقدوا التواصل مع قادتهم منذ أن تلقوا أوامر الانسحاب.

الدعوة إلى مراجعة شاملة
ركز الباحث مصطفى ناجي، في قسم من مداخلته، على آثار الانهيار الذي حدث في الساحل على معنويات السكان في مناطق سيطرة الجماعة، خصوصاً أن كثيراً من هؤلاء كانوا ينظرون إلى التحضيرات العسكرية وخطاب «التحرير» باعتبارهما فرصة للخلاص من سلطة الحوثيين، وكانت القوى الموجودة في الساحل الغربي تحظى بتوقعات مرتفعة، نتيجة ما قدمته عن نفسها من حيث الانضباط والقدرات والتماسك والعلاقات الخارجية.

في المقابل، دعا إلى مراجعة شاملة لأداء القوى المناهضة للحوثيين، وليس الجانب العسكري وحده.
وتشمل المراجعة، بحسب طرحه، طبيعة العلاقات الخارجية للحكومة اليمنية، وعلاقاتها بالدول الداعمة لها، والاصطفافات الإقليمية التي انخرطت فيها، ومدى قدرة هذه السياسة على خدمة أهدافها الفعلية.
كما تشمل مراجعة خطاب الحرب نفسه؛ إذ يرى أن الخطاب الحكومي تراوح خلال السنوات الماضية بين السلام والردع، بينما يتبنى الحوثيون خطاباً أكثر هجومية يقوم على السحق والسيطرة المطلقة ونزع الشرعية عن الحكومة.

ومن هنا طرح سؤالاً عن مدى واقعية الأهداف التي تخوض الحكومة والقوى المناهضة للحوثيين الحرب من أجلها، وما إذا كانت هذه الأهداف ما تزال متطابقة مع طبيعة الصراع القائم.

ووضع أمام القوى المناهضة للحوثيين مهمتين عاجلتين: استخلاص الدروس من الهزيمة وفهم أسبابها بصورة كاملة، وفي الوقت نفسه دعم الجبهات التي لا تزال تقاوم لمنع مزيد من الانهيارات ووقف الاندفاع الحوثي، بما يسمح بإعادة تنظيم الصفوف.

كما طرح سؤالاً عسكرياً مركزياً حول إمكانية إدارة معارك برية فعالة من دون الاعتماد الكامل على الغطاء الجوي والدعم الخارجي، خصوصاً أن الحوثيين يخوضون عملياتهم من دون امتلاك قوة جوية تقليدية.

توقع الباحث أن الحوثيين يسعون في المرحلة الراهنة إلى استكمال سيطرتهم في الشمال، بالتوازي مع تثبيت مواقعهم على الساحل، معتبراً أن نجاح هذا المسار سيضعف الحكومة أكثر، وقد ينعش في المقابل النزعات الانفصالية لدى قوى جنوبية.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img