«صحيفة الثوري» – (تحليل)*:
وسام محمد
بعد انقضاء أسبوعين من الانهيار الكبير، في جبهة الساحل الغربي لليمن، والذي كان بمثابة زلزال خلق صدمة عسكرية وسياسية واجتماعية، وبعد أن تماسك الوضع الميداني وفشلت جماعة الحوثي في تحقيق أي اختراق في ظل شن هجمات مكثفة في جبهات جنوب غرب تعز وفي الجبال المطلة على باب المندب، وأيضا في جبهات مأرب، بات هناك بعض الحقائق والدروس والتهديدات التي يمكن فهمها والانطلاق منها استكناه خيارات اليمنيين والسعودية، لمواجهة التداعيات واستعادة التوازن وتحقيق الردع المطلوب أو حتى الذهاب إلى أبعد من ذلك.
كان وقع ما حدث، أن خلق صدمة على كل المستويات، على المستوى المحلي، جاءت الصدمة بعد ارتفاع سقف الآمال شعبيا، خاصة في مناطق سيطرة الحوثيين، وقد كان هناك تداعيات مركبة لهذه الصدمة، من جهة استعاد الحوثيين قبضتهم المعنوية على السكان في مناطق سيطرتهم التي كانت تشهد تذمر شعبي جراء الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة، وأيضا تصدير الخوف الى مناطق سيطرة الحكومة وإضعاف الثقة بها.
ولا يبدو أن التداعيات تقتصر على المستوى المحلي؛ فالحكومة اليمنية التي كان صوتها قد بدأ يُسمع على المستوى الدولي، جاءت الخسارة غير المتوقعة بوصول الحوثيين الى باب المندب، وأعادتها 10 خطوات إلى الوراء.
على المستوى الإقليمي، بدا أن السعودية تخسر معركة في عمقها، كون الخسارة الكبيرة في اليمن، حملت معنى أنها فشلت في عملية ردع الحوثيين، ما جعلهم متحفزين لتكثيف استهداف السعودية بالصواريخ والمسيرات، كانت إيران قد خسرت الكثير في العامين الماضيين، وبدا أن هناك نوع من توازن القوة الاقليمية وفي ظل التهديدات المحيطة بها، لكن هذا كله فقد مع سيطرة الحوثيين على باب المندب.
بدت السعودية في مأزق كبير، في اليمن بسبب التطورات الأخيرة في الساحل الغربي، وفي الاقليم حيث التنافس ليس محصورا مع إيران وليس حصرا بامتلاك القوة، ولكنه تنافس قائم حتى على مستوى من سيخسر أكثر، أما الخسارة الدولية فهي الأكبر، حيث لأول مرة تجد السعودية نفسها وكأنها محاطة بتربص الدول الكبرى سواء تلك التي تشجع الحوثيين من تحت الطاولة كالصين وروسيا أو تلك التي يفترض أنها حليف في نفس المعسكر المناهض لإيران كأمريكا وبريطانيا.
سياق الاحداث
ربط الحوثيون تصعيدهم العسكري الأخير، بأنه موجه ضد السعودية لأنها تحاصرهم، بعد قيام طيرانها الحربي في 13 يوليو/ تموز بقصف مدرج مطار صنعاء ومنع طائرة “ماهان الإيرانية” من الهبوط فيه، خشية أن تنقل أسلحة وخبراء.
ثم بدأت الجماعة بتصعيد الصراع العسكري داخليا، بحجة أن السعودية تعد العدة وتزود خصومها بالأسلحة لشن حرب ضدهم، نجح الحوثيون في ممارسة خداع استراتيجي، فقد أوهموا الجميع بأن ما يقومون به، لا يعدو عن كونه ردة فعل وتعبير عن مخاوف، لكن في الحقيقة كانت مساعيهم للسيطرة على باب المندب، قد ظهرت مؤشراتها قبل التصعيد العسكري الواسع.
لم تكن السيطرة على باب المندب، حادثا عرضيا، فقد خطط لها الحوثيون طويلا، وبدأت أول العمليات الميدانية، في 6 يونيو/ حزيران الماضي، عندما قتل قائد الفرقة الأولى في المقاومة الوطنية يحيى وحيش. منذ ذلك الحين وهجمات الحوثيين في جبهات الساحل الغربي لم تتوقف، وقد ظهرت أول محاولة واضحة مطلع شهر يوليو/ تموز، عندما شنوا هجوما واسعا في محاولة للسيطرة على جبال “دوباس” في مديرية حيس، بمحافظة الحديدة، وكانت نتيجة الهجوم الذي جرى افشاله، مقتل 15 جنديا من القوات الحكومية و50 من مسلحي جماعة الحوثي، في أكبر حصيلة لعدد القتلى في جبهة عسكرية منذ توقيع الهدنة وبدء خفض التصعيد في أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٢١. حدث ذلك بعد يومين من وصول الطائرة الإيرانية الى مطار صنعاء، وقبل أسبوع من بروز الازمة التي أصرت إيران على عودتها لخلق ذريعة تدفع بالأوضاع نحو التصعيد.
من خلال ممارسة هذا النوع من التضليل المتقن، يمكن القول إن الحوثيون، انتقلوا من تكتيك استثمار التناقضات في معسكر خصومهم، إلى مستوى جديد يقوم على دفع الأوضاع باتجاه تفجر هذه التناقضات، وقد كان هذا ما حدث كأحد نتائج تكتيك الخداع الاستراتيجي الذي مارسوه. أوهموا الجميع أن تحركهم يأتي كردة فعل على استهداف الطائرة الايرانية “ماهان”، وأن حربهم موجهة ضد السعودية، وان قصفهم للمخا، موجه ضد عملية التسلح، ما يعني أن لديهم مخاوف.
هذا الوضع جعل السعودية ومعها القيادة اليمنية، تعتقد أن الحوثي لا يسعى الى إشعال معركة واسعة بهدف السيطرة على باب المندب، وأنها فقط تمارس الضغط لانتزاع بعض المكاسب، وقد كان من نتيجة ذلك أن وقع الجميع ضحايا سوء تقدير فادح.
تفاعلات مشهد ما بعد الانهيار
بوصول جماعة الحوثي الى باب المندب، تحقق لهم هدفا مزدوجا، الهيمنة على منفذ سيادي حساس، من خلاله تستطيع الجماعة الضغط على العالم وممارسة الابتزاز لانتزاع شرعية واعتراف دولي بها، وفي ذات الوقت تخفيف الضغط على إيران التي حولت مضيق هرمز إلى أزمة عالمية.
خلال معركة الساحل الغربي، توالت معلومات تشير الى وجود خبراء ايرانيين يشاركون في الاشراف على المعارك، وبعد أسبوع من السيطرة على باب المندب، كشفت مصادر اعلامية أن خبراء من الحرس الثوري الإيراني زاروا منطقة باب المندب لدرس تركيب رادارات قربها والإشراف على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة عليها.
استغرقت القوات الامريكية أربعة أشهر من أجل نزع الالغام من مضيق هرمز، ولم تنجح حتى الآن في إنهاء التهديدات وتأمين الملاحة الدولية. في باب المندب في حال قررت إيران استخدامه كسلاح، سيكون الوضع أكثر خطورة، فعرض مضيق باب المندب يصل الى 18 كيلو متر، بينما عرض مضيق هرمز يبلغ 55 كيلو متر، ما يعني توفر قدرة كبيرة على تعطيل الملاحة الدولية فيه. تشير بعض المعلومات الى إن الحوثيين قد بدأوا فعلا بزرع ألغام بحرية بالقرب من الشواطئ.
إضافة إلى ما بات واقعا من عملية إطباق الحصار على السعودية وخنق صادراتها النفطية، وابتزاز العالم، وتهديد شرعية الحكومة، والتي باتت مهددة بنقلة ميدانية اضافية، حيث ظلت خارطة المعارك خلال الاسبوعين الماضيين توضح أن الجماعة تسعى الى إطباق حصارها على تعز، وممارسة الضغط الأقصى على مأرب وربما محاولة اقتحامها، وفي ذات الوقت لا تخفى مناوراتها بهدف الوصول إلى عدن، وكل ذلك يعني أن السيطرة العسكرية على باب المندب، تظل بلا قيمة دون أن يتحول الى مكسب سياسي، وهذا ما تعمل عليه الجماعة.
لكن بالمقابل، حدث التحول غير المتوقع، ففيما ظلت المعارك متواصلة في جبهات تعز الغربية والجنوبية المتصلة مع محافظة لحج، حيث يسعى الحوثيون الى تأمين وجودهم في الساحل الغربي من خلال السيطرة على سلسلة الجبال المطلة على باب المندب؛ فقد استعادت المقاومة الشعبية زخمها، وبرز تماسك سياسي واجتماعي غير مسبوق ، وبفضل ذلك تماسكت الجبهات وبدأ التحول من الدفاع الى الهجوم.
الوضع في الجنوب أيضا والذي كان بمثابة عقدة رئيسية أمام قرار الذهاب نحو حرب شاملة، شهد تحولا غير متوقع، مع اقتراب تهديد الحوثيين من عدن، بات هناك إدراك عميق بحجم الخطر المشترك، مثلا تبددت التعبئة المناطقية التي تراكمت طوال سنوات ضد تعز، وبرز صوت جنوبي يشيد بصمودها.
بدأ ايضا التحول على مستوى الحكومة اليمنية، بإعلان التعبئة العامة، في خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عشية الذكرى الـ 64 لثورة 26 سبتمبر 1962. ما حمل تحولا جوهريا في التوجه الحكومي الذي كان يتبنى سياسة اقتصار المعركة على القوات التي تتبع وزارة الدفاع، وفتح المجال للمجتمع ليكون جزء من المعركة. التحول شمل أيضا السعودية التي يبدو انها تنجح في حشد الاقليم والعالم لمواجهة المعادلة الجيوسياسية التي تحاول إيران فرضها من خلال الحوثيين.
خيارات ما بعد الصدمة
بالتدريج، تبرز إمكانية تعديل المشهد القائم وقلبه رأسا على عقب، حيث تتبلور خيارات متعددة، من شأن إحداها أو جميعها، أن تدفع نحو استعادة زمام المبادرة، بشن عملية عسكرية مدروسة، تحمل في طياتها حسما نهائيا للتردد الذي صبغ المرحلة السابقة.
من هنا يمكن الحديث عن ثلاث خيارات يمكن من خلالها استعادة التوازن والردع، كمقدمة لشن معركة شاملة، ومن المهم ألا تذهب الأوضاع نحو اندفاع غير محدد بأهداف واضحة قابلة للتحقق، لكي تستعيد جميع القوى المناهضة للحوثيين ثقتها بنفسها وتقف على أرضية صلبة تمكنها من الذهاب بعيدا وخوض المعركة الفاصلة.
الخيار الأول، يكمن استعادة باب المندب بشن عملية عسكرية لا تتوقف إلا بعد تحرير كامل محافظة الحديدة، لا يكفي استعادة الوضع السابق ما قبل انهيار جبهات الساحل الغربي، ولكن يجب الذهاب إلى أبعد من ذلك وتحقيق ذات النتيجة التي حققها الحوثيون بوصولهم الى باب المندب.
ولعل تحرير الحديدة بشكل كامل هو السبيل الأقرب لذلك، وبذات الطريقة التي يستخدمها الحوثي، من خلال تحصين جميع جبهات القتال بشكل جيد ثم حشد القوات والموارد والتقنيات لخوض المعركة بشكل مركز وسريع، وهذا خيار يرتبط بدرجة رئيسية بالحكومة وضرورة استعادة تماسكها وثقة المجتمع والاقليم والعالم بها.
الخيار الثاني، هو أن يتم إطلاق عملية عسكرية هدفها الأساس تحرير محافظة صعدة، معقل الجماعة الحوثية، هذا أيضا خيار يمكنه تحقيق ذات النتيجة من حيث الردع، فضرب مركز الجماعة سيجعل مكاسبها في الساحل الغربي محل شك، بل وسيهز صورة الجماعة ويجعلها في مواجهة مباشرة مع تهديد غير مسبوق، وهذا بالدرجة الاولى خيار السعودية التي باتت تواجه تهديدات ومخاطر متصاعدة باستمرار الحوثيين بإطلاق الصواريخ والمسيرات نحو اراضيها ومنشأتها الاقتصادية وكذلك ضد المدنيين.
الخيار الثالث، أن يعاد تحرير القوى الشعبية من سطوة الحوثي التي أعاد فرضها بعد سيطرته على الساحل الغربي بتلك الطريقة التي تجعل الجماعة مزهوة، لدرجة بث الاعتقاد الخرافي حول انتصارها الإلهي.
إمكانية تحقيق ذلك له طريق واحد فقط، هو استكمال تحرير تعز وإنهاء الحصار المفروض من ثلاث جهات، حيث تتمتع تعز بثقل سكاني كبير، وتواجه خطر إطباق الحصار من كل الجهات، خوض المعركة المؤجلة في تعز من شأنه صناعة نصر معنوي هائل، وقلب المعادلة تماما.
إذا كان من المبكر الحديث عن المعركة الشاملة، حتى يتسنى إعادة ترتيب وضع القوات في خضم المعركة وأيضا حشد المجتمع خلفها، فإن الخيارات البديلة لاستعادة التوازن وتحقيق الردع، متوفرة، وما ينقصها فقط، هو القرار الحاسم والارادة السياسية، مع إمكانية العمل على الثلاثة الخيارات في وقت واحد.
* نقلاً عن مركز تعز للدراسات اليمنية الخليجية


