صحيفة الثوري – (رأي)
د. سالم الهامل
شكّلا الـ26 من سبتمبر 62م والـ14 من أكتوبر 63م يومين فارقين في التاريخ الحديث والمعاصر للحركة الوطنية التحررية اليمنية في نضالها ضد نظام الاستبداد والطغيان الإمامي الكهنوتي في شمال جنوب شبه جزيرتنا العربية، فيما كان يُعرف بـ(المملكة المتوكلية اليمنية)، المفرط في التخلف والرجعية الحادة والانعزالية الجامحة عن ركب الحضارة الإنسانية؛ وضد الوجود الاستعماري الأجنبي وزبانيته المتمثلة في السلطنات والمشيخات والإمارات في جنوب الجنوب العربي اليمني المحتل.
لقد مثلت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 62م المجيدة بقيادة “تنظيم الضباط الأحرار” السري، ذات التأثر والانتماء السري بحركة القوميين العرب وبعض المكونات الثورية الوطنية السرية الأخرى التي كانت قائمة في الساحة اليمنية شمالاً وجنوباً في تلك الفترة التاريخية، تتويجاً عظيماً لحركة النضال الوطني اليمنية التي اتخذت كل الطرق والوسائل النضالية وكل أشكال العمل التحرري المتاحة الممكنة، بما في ذلك الكفاح المسلح، في نضالها الوطني الطويل، الممتد منذ ثلاثينيات القرن العشرين المنصرم، وذلك في سبيل الانتصار للحق العادل لشعبنا في الانعتاق والتخلص من ظلام وظلم نظام الإمامة الاستبدادي الكهنوتي في شمال يمننا الحبيب، وهو النظام الاستبدادي الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً في الجور والتخلف والرجعية وامتهان كرامة الإنسان، والذي جثم كابوساً ثقيلاً ثقل الرواسي على كواهل وصدور أبناء الأمة، وأدمن استلذاذ أنينها وأوجاعها وفقرها وأميتها وكل أشكال البؤس والمآسي التي مارسها ظلماً عليها ردحاً طويلاً من الزمان الاستثنائي في أشكال القسوة وألوان العذاب الجماهيري العام والشامل.
لقد كان السادس والعشرون من سبتمبر 62م يوماً للخلاص الوطني بكل ما لمفهوم “الخلاص الوطني” من معنى ودلالة، بل كان يوماً لميلاد أمة جديدة صنعته بسيل مقدس من دماء أبنائها الأبرار لترى النور بعد ظلام دامس كاد يعمي أبصارها.
فطوبى طوبى وألف ألف طوبى لثورة الـ”26 من سبتمبر 62م” المجيدة في ذكرى ضيائها الـ(64). ذكرى الثورة الخالدة في تاريخ وحياة الشعب اليمني المعاصرين، وفي ذاكرته الجمعية تتناقلها وستظل تتناقلها الأجيال، جيلاً بعد جيل، بكل اعتزاز وفخار، ما بقيت الأجيال وما بقي اليمن وما بقي الزمان، رغماً عن أنف كل المؤامرات التي طوّقت الثورة من الداخل والخارج منذ لحظات انتصارها الأولى، ورغماً عن أنف هول استمرار المؤامرات في الحاضر والمستقبل.
“26 أيلول سبتمبر 62م العظيم طوى، وبلا رجعة، فصلاً من أشد وأضيم وأظلم وأسود فصول التاريخ قتامة في حياة الشعب اليمني على الإطلاق. نعم، لقد طوى يوم الـ26 من سبتمبر 62م المجيد صفحة شديدة السواد في سجل تاريخ العبث السياسي لقوى الظلام والرجعية الكهنوتية المنافية لكل القيم الإنسانية.. القوى الكهنوتية الظلامية المغردة خارج قوانين التطور الموضوعية، ومسارات التاريخ البشري والشرائع الربانية، ونواميس وأعراف ومواثيق الحضارة البشرية العالمية.
كما مهّدت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 62م المجيدة، بانتصارها وقيام النظام الجمهوري في الشمال اليمني، الطريق أمام شقيقتها المجيدة في الجنوب لتنطلق شرارتها الأولى يوم الـ”14 من أكتوبر 63م” من قمم “ردفان” الشموخ، معلنة ثورة الكفاح المسلح لتحرير الجنوب العربي اليمني المحتل من رجس الاستعمار البريطاني وإسقاط المحميات الدائرة في فلكه المتمثلة بالسلطنات والمشيخات والإمارات، وهي الدويلات الصغيرة الصورية شبه الإقطاعية الوراثية التي صار قرارها السياسي والأمني والعسكري بيد المندوب السامي للمستعمرة عدن التي تتبع بالكامل حكومة التاج الملكي البريطاني مباشرة، والتي بسطت نفوذها السياسي والعسكري والأمني على كل سلطنات ومشيخات وإمارات الجنوب، وذلك عن طريق ما سُمّي بـ”اتفاقيات الحماية” و”الاستشارة”، وهي السلطنات والمشيخات والإمارات التي بلغ عددها إلى عشية الاستقلال الوطني في الـ”30 من نوفمبر 67م” (23) بين سلطنة ومشيخة وإمارة.
(يتبع)


