صحيفة الثوري – كتابات
قادري أحمد حيدر
1
كان يمنحنا ونحن في قمة الكآبة لحظة فرح.
أقوى حلقة في سلسلة الأصدقاء كان.. أصلبها لأنه/ لأننا، اعتدنا أن يشدها بجلجلة ضحكته، وبراءته في القول، ووضوحه في المعنى، وفي التعبير عن واقع الحال، دون حاجة للمحسنات الكلامية والبديعية واللغوية.. بكلمات بسيطة موجزة موحية معبرة يقول كل ما يلزمنا من القول.. والأهم أنك في الملمات والشدائد تجده بقربك، أمامك يشد حلقات السلسلة بالوفاء.
2
في الفصل الأخير من رحلته مع تعب الجسد، استشعر الخوف من الآتي، لأنه لم يرَ ضوءاً في نهاية الطريق.. كان يهجس بصوت كله ألم، وأمل، وحنين، أن يغادرنا قبل أن ينبلج فجر الصباح الذي أحبه بهياً.. أحب الإفاقة على صبحه، ليراه في حلة جديدة.. ولكنه غدر الزمان، توحش عنصرية السلطة، مكر الموت الذي يختار منا الجياد.. اختار أجمل وأصدق ما فينا ليتركنا في العراء، بدونه.. وبدونك يا محمد، يؤرقنا جلال الرحيل .. تعبنا يزداد، فألم فراقك يغطي جهات الروح حتى لا مكان.
3
كان يمشي حاملاً تعبه، يمشي صادحاً بطقوس الغناء التي اعتادها من بداية الرحلة، ليقهر تعب العمر، وليشعرنا بالفرح، هكذا كان محمداً ابن العمراني.
حتى وهو في ذروة الوجع لا ينسى مواساتنا، وتحفيزنا، لنقول: لا.
مختلفاً في كل شيء كان:
بساطته، تواضعه، ضحكته المجلجلة، حبه للأصدقاء، عشقه لدرسه الجامعي، فرحه بأصدقائه الطلاب.
كان متوجاً بتاج الكرامة، كارهاً لدمامة العقل، وخبث الروح حين يتمثلها البعض سلوكاً.
كان يغضب بكل الصدق في داخله، ويسامح حتى منتهى الغفران، هذا هو محمد بن العمراني.
مثلك يا محمد لا يموت، يغادرنا هنيهةً، فقط، ليختبرنا: هل تركنا حلمنا وحيداً؟
غادرنا ممتشقاً روح الفرح اللامتناهي للحياة، وعزيز المحبة للأصدقاء.
الله كم نفتقدك!
كنا نفتقدك وأنت بيننا، لعدم تجسيرنا فجوة اللقاء حتى نراك، ونسمع ضحكتك.
اليوم أشعر أنك حياة جديدة في داخلنا، فشريط ذكرياتنا معك يجمعنا ويوحدنا بك.
كنت ترانا بعيون قلبك، وكنا نراك بقلق خوفنا عليك.. خوفنا أن نجد أنفسنا في مواجهة مثل هذا اليوم.
الله ما أقسى الفراق مع أمثالك من الرجال.. من الأصدقاء!

