«صحيفة الثوري» – (رأي):
أ.د محمد فاضل الفقيه
تتجلى خطورة انحسار اللغات واختفائها أمام طغيان الذكاء الاصطناعي في تفكيك الذاكرة الجمعية للشعوب وتهديد التنوع الثقافي الإنساني؛ فاللغة ليست مجرد أداة تواصل وظيفية، بل هي الوعاء الوجودي الذي يتشكل من خلاله الوعي، وتُحفظ عبره هويات الأمم وخصوصيتها الفلسفية والتاريخية.
وتتخذ هذه المخاطر أبعاداً أعمق وأكثر إيلاماً حين تتحول لغة الإنسان المعاصر إلى مجرد رموز واختصارات بصرية سريعة، لتفقد بذلك جذورها العميقة في الوجدان والخيال. فالكلمة ليست علامة جامدة، بل هي طاقة شعورية وتاريخية تُغذّي الخيال وتُهذب العاطفة وتؤطر بنية التفكير. ويمكن تتبع هذا التآكل المتسارع عبر مسارات متداخلة تهدد كيان الإنسان الفكري والنفسي:
• الهيمنة الرقمية وتهميش اللغات المحلية: يتركز الاستثمار والتطوير التقني للذكاء الاصطناعي حول اللغات الكبرى عالمياً وفي مقدمتها الإنجليزية، مما يدفع اللغات الأخرى نحو العزلة الرقمية ويحرم متحدثيها من مواكبة العصر، وصولاً إلى التآكل التدريجي لاستخدامها.
• نمطية التفكير وفقدان الخصوصية البلاغية: تعتمد نماذج اللغات الكبيرة على توليد نصوص ذات بنى متجانسة ومكررة تميل نحو لغة وسطى عولمية، مما يقضي على دقة الفروق الدلالية والجمالية التي تتميز بها اللغات الطبيعية، ويهدد باندثار التراث الشعري والأدبي.
• ضمور المخيلة الفلسفية والأدبية: عندما يعتمد الإنسان على الرموز الجاهزة والصور المصمتة، تفقد ملكة التصور الداخلي عمقها؛ فاللغة الغنية بالمفردات الدقيقة وحدها هي التي تمنح العقل القدرة على بناء العوالم المجردة وارتياد آفاق المعرفة المجهولة.
• تسطيح العاطفة الوجدانية: إن تعبيرات الحزن، والأسى، والشجن، واللهفة لا يمكن اختزالها في رموز تعبيرية بصرية؛ فغياب المفردات العميقة يفرغ المشاعر الإنسانية من دقة تدرجاتها ويحولها إلى انفعالات سطحية سريعة الزوال.
• تفكيك بنية التفكير النقدي: التفكير المنطقي والتحليلي مستمد بطبيعته من تركيب الجمل وبناء المفاهيم وربط العلل بالمسببات؛ وحين تتراجع المفردات لصالح لغة الإيجاز الرقمي، يصاب العقل بكسل معرفي يعجز عن تفكيك الإشكالات المعقدة.
• انقطاع التواصل والانفصام الجمالي: عندما يفقد الشباب الارتباط بلغتهم الأم لصالح اللغات الرقمية المهيمنة والرموز المختزلة، تنقطع حلقة الوصل المعرفي والوجداني مع تراث الآباء والأجداد، وتتحول الثقافة إلى أرشيف جامد بدلاً من أن تكون كائناً حياً يتجدد، إذ إن المفردة المفقودة ليست خسارة معجمية بل هي “معلم” روحي يبتز جذور الإبداع والهوية.
• تحول الإنسان إلى مستهلك لغوي: يفقد الأفراد تدريجياً مهارة الصياغة العميقة والابتكار التعبيري لصالح الاعتماد الكلي على الآلة في صياغة الأفكار وتوليد الخطاب، مما يصيب ملكة الإبداع اللغوي بالضمور وتحويل الإنسان إلى مجرد متلقٍ مستهلك.
إن المعركة اليوم ليست مجرد معركة للحفاظ على قواميس الألفاظ أو التصدي لزحف الآلة، بل هي معركة حراسة الوعي الإنساني ذاته من الانقراض؛ فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه التقنية إلى أداة لحراسة التنوع اللغوي وإثرائه لا مقبرة له. وإن استعادة الروح للغة تبدأ حتماً من العودة إلى حواضنها الأولى كالأسرة، والكتاب، والخطاب الحي الواعي الذي يقاوم لغة الأرقام، ليظل الإنسان مالكاً لقرينه الناطق لا أسيراً له.

