صحيفة الثوري- تقارير
تقرير تحليلي/خليل الزكري
تدخل الحرب اليمنية منعطفا أكثر حساسية مع سيطرة الحوثيين على مدينة المخا، ثم تقدمهم إلى ذو باب وجزيرة ميون عند مضيق باب المندب ،وتتجاوز هذه التطورات خسارة مواقع عسكرية ومدن ساحلية، إلى التغير في طبيعة المعادلة الجغرافية للحرب، بعدما انتقلت المواجهة إلى منطقة تتقاطع فيها الجبهة اليمنية مع أمن الملاحة الدولية وأمن الطاقة وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وتشكل المخا وذو باب وميون في هذا السياق سلسلة جغرافية متصلة، فالسيطرة على المخا تمنح الحوثيين موطئ قدم متقدم على خط الملاحة الدولية، والوصول إلى ذو باب يقرّبهم من بوابة المضيق، بينما تمنحهم جزيرة ميون موقعا مختلفا بحكم وجودها في قلب باب المندب وانقسام الممر الملاحي حولها.
من جبهة داخلية إلى ورقة بحرية
ظل الساحل الغربي طوال السنوات الماضية واحدا من أكثر خطوط المواجهة حساسية في الحرب اليمنية، غير انه اكتسب بعدا دوليا متزايدا منذ الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر ، وتضيف التطورات الجديدة، وفق المعطيات الواردة، بعدا آخر، من ناحية انتقال الحوثيين من القدرة على تهديد الملاحة عبر الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق، إلى محاولة الاقتراب ميدانيا من المجال الجغرافي للممر البحري نفسه.
وهنا تكمن أهمية باب المندب، حيث المضيق يمثل نقطة عبور غير عادية، تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم قناة السويس بالبحر المتوسط. وأي اضطراب طويل في هذه المنطقة يرفع كلفة النقل والتأمين، ويعيد رسم مسارات السفن والطاقة ؛لذلك فإن السؤال الذي تفرضه التطورات الحالية يتعلق بمن يمتلك القدرة على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بالممر الملاحي.
المخا.. خسارة موقع أم تغير في هندسة الساحل؟
وتحمل السيطرة على المخا، إذا استقرت ميدانيا، أهمية تتجاوز المدينة نفسها، حيث تقع عند نقطة اتصال بين الساحل الغربي والعمق البري لمحافظة تعز. ومن خلالها تتصل الحركة العسكرية واللوجستية بين الساحل ومناطق الداخل، كما تتيح مراقبة مساحة واسعة من البحر الأحمر، لكن القيمة الاستراتيجية للمخا لا تعني أنها تمنح صاحبها تلقائيا السيطرة على باب المندب، وهذه نقطة تستحق الفصل بوضوح.
فباب المندب له عقده الجغرافية الخاصة، وفي مقدمتها ذو باب وميون، والممرات البحرية المحيطة بالمضيق. لذلك فإن انتقال الحوثيين من المخا إلى ذو باب وميون، هو الذي يمنح التطور وزنه الحقيقي ، وهنا تنتقل الجماعة من السيطرة على واجهة ساحلية إلى الاقتراب من عقدة بحرية دولية.
ميون تغير الحسابات
تكتسب جزيرة ميون أهمية خاصة بسبب موقعها داخل المضيق. ووجود قوة عسكرية فيها يتيح إمكانات للرصد والمراقبة، ويضيف عمقا جغرافيا لأي منظومة صاروخية أو مسيرة تعمل من الساحل المقابل كما أن موقع الجزيرة يسمح بالتأثير على حركة القطع البحرية التي تعبر المضيق، وإن كانت القدرة على فرض إغلاق كامل للممر تحتاج إلى وسائل وقدرات أكبر بكثير من مجرد السيطرة على. الجزيرة.
وهنا يجب تجنب المبالغة، فالسيطرة على ميون لا تعني أن الحوثيين أصبحوا قادرين تلقائيا على إغلاق باب المندب. كما أن الممر مائي دولي واسع نسبيا، وحماية الملاحة يمكن أن تعتمد على قطع بحرية وأنظمة استطلاع وقدرات جوية متعددة.
بيد أن السيطرة البرية وعلى الجزر القريبة من المضيق، تمنح الجماعة ورقة ضغط عسكرية وسياسية جديدة، وهذه الورقة قد تكون أهم من فكرة إغلاق الممر نفسها.
«الحصار بالحصار».. معادلة انتقائية
يقدم تصريح المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع، بأن الملاحة ستظل آمنة لجميع شركات الشحن، باستثناء السفن السعودية، مؤشرا مهما على طبيعة الاستراتيجية المحتملة. حيث الجماعة لا تتحدث عن إغلاق شامل للممر البحري، وإنما عن استخدام الملاحة كأداة ضغط انتقائية.
وهذا النوع من التهديد أكثر تعقيدا من الإغلاق الكامل؛ لأنه يسمح للحوثيين بتقديم أنفسهم أمام المجتمع الدولي كطرف يحدد أهدافا بعينها، مع الاحتفاظ بقدرة على توسيع دائرة الاستهداف إذا تغيرت المعادلة السياسية أو العسكرية.
وفي المقابل، فإن هذا السلوك يرفع مستوى المخاطر على شركات النقل. فالسفينة التي تدخل البحر الأحمر ستتعامل مع قواعد استهداف متغيرة مرتبطة بجنسية السفينة أو ملكيتها أو وجهتها أو صلاتها التجارية ، وهذا الأمر وحده كفيلي بزيادة تكاليف التأمين وإعادة تقييم مسارات الشحن.
السعودية أمام معضلة جديدة
يضاعف توقيت التطورات حساسيتها بالنسبة إلى الرياض. فبحسب ما نقل موقع «أكسيوس» الأمريكي عن مسؤولين أمريكيين، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن ضربات ضد الحوثيين، بينما رفض ترامب الطلب، مع توجه الإدارة الأمريكية إلى تركيز قواتها على إيران وتأمين مضيق هرمز وتجنب فتح جبهة عسكرية أخرى.
وهذا يضع الرياض في مواجهة معادلة صعبة، فالضغط العسكري المباشر قد يفتح مسارا جديدا للحرب في اليمن في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، بينما ترك التطورات تتراكم يمنح الحوثيين فرصة لتحويل المكاسب الميدانية إلى ورقة تفاوضية وإقليمية ؛ ولهذا تبدو زيارة قائد القيادة المركزية الأمريكية إلى السعودية ذات دلالة تتجاوز التنسيق العسكري المعتاد. فهي تعكس محاولة لإدارة المخاطر ومنع انتقال التصعيد اليمني إلى أزمة بحرية أوسع.
إيران ترى في التطور مكسبا سياسيا
ويحمل الترحيب الإيراني بالتقدم الحوثي دلالة سياسية واضحة، إذ وصف مستشار المرشد الإيراني محمد مخبر التطور بأنه «انتصار مدوٍّ» يتزامن مع دعوة وزارة الخارجية الإيرانية إلى الحوار وإنهاء ما وصفته بالحصار على اليمن ، ويكشف الجمع بين الرسالتين عن وظيفة التطور بالنسبة إلى طهران. كما يرفع المكسب الميداني الحوثي قيمة الجماعة في أي ترتيبات إقليمية مقبلة، بينما تبقي الدعوة إلى الحوار الباب مفتوح أمام تحويل التصعيد العسكري إلى مكاسب سياسية ، بهذا المعنى، يصبح باب المندب جزءً من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها اليمن مع البحر الأحمر والخليج العربي.
ماذا يعني ذلك للقوات الحكومية؟
وتقع الضربة الأهم في التطورات الحالية على منظومة السيطرة الحكومية في تعز بشكل عام والساحل الغربي على وجه الخصوص، إذ كانت هذه المساحة خلال السنوات الماضية متعددة القوى، تتوزع فيها التشكيلات العسكرية والسلطات المحلية ومراكز النفوذ ، وسمح هذا التعدد بمقاومة الحوثيين في القطاعات البرية والبحرية المختلفة، لكنه جعل بناء منظومة دفاع موحدة أكثر صعوبة، ويكشف التقدم الحوثي، عن مشكلة أعمق من خسارة المواقع، تتمثل في وحدة القيادة والسيطرة.
وتحتاج حماية المخا وذو باب وميون إلى منظومة مترابطة تجمع الاستطلاع والدفاع الجوي والقوات البرية والقدرات البحرية والاستخبارات واللوجستيات.
وأي فجوة بين هذه العناصر يمكن أن تتحول إلى ثغرة ميدانية، خصوصا عندما يقرر الطرف المقابل تركيز قوته في قطاع جغرافي واحد ، وهذا يعيد إلى الواجهة مفهوم الردع المتكامل الذي طرحه مجلس القيادة الرئاسي، قبل عدة أيام من سقوط المخا.
ولا يتحقق الردع في هذه الجغرافيا بتكديس القوات، بل ببناء قدرة تمنع الخصم من تحويل الاختراق التكتيكي إلى مكسب استراتيجي.
المخا وباب المندب.. لماذا يجب الفصل بينهما؟
من الأخطاء الشائعة التعامل مع المخا وباب المندب باعتبارهما نقطة استراتيجية واحدة.
وتعد المخا مهمة كونها تمثل واجهة ساحلية ومركزا لوجستيا قريبا من خطوط الإمداد البرية في تعز والساحل الغربي. أما باب المندب فهو عقدة بحرية دولية ترتبط بحركة السفن والطاقة والتجارة العالمية، لذلك الفارق مهم في قراءة المرحلة المقبلة، فإذا استقرت السيطرة الحوثية في المخا فقط، فإن التأثير سيكون عسكريا يمنيا بالدرجة الأولى.
أما إذا تمكنت الجماعة من تثبيت وجودها العسكري بشكل مستمر في ذو باب وجزيرة ميون، مع امتلاك وسائل استطلاع وضرب فعالة، فإن المسألة تدخل مباشرة في حسابات الأمن البحري الإقليمي والدولي.
عندها لن تكون المعركة حول مدينة ساحلية، أكثر مما ستكون حول البيئة الأمنية لمضيق باب المندب.
ماذا بعد؟
ويتمثل السيناريو الأخطر في تثبيت المكاسب الحوثية بدلا من الاكتفاء بالاندفاع العسكري فإذا نجحت الجماعة في إعادة تنظيم وجودها على الساحل، ونقلت أسلحة ووسائل مراقبة إلى مواقع قريبة من المضيق، فإن استعادة هذه المناطق ستصبح أكثر كلفة مع مرور الوقت.
أما إذا جاء الرد سريعا ومنظما، فقد تتحول العملية الحوثية إلى اندفاعة عسكرية واسعة انتهت قبل أن تتحول إلى واقع استراتيجي مستقر. ومن هنا تظهر أهمية الأيام المقبلة.
لذلك فإن المعيار الحقيقي ليس في عدد المدن التي تغيرت السيطرة عليها خلال ساعات، وإنما في قدرة كل طرف على تثبيت السيطرة وإدامة الإمداد وفرض بيئة أمنية جديدة.
في غضون ذلك، ستراقب القوى الدولية حركة السفن ومستوى التهديد الحوثي الفعلي أكثر مما ستراقب التصريحات السياسية.
وإذا ظهرت مؤشرات على استهداف منتظم للسفن أو تعطيل الملاحة، فإن التعامل الدولي مع الملف اليمني قد يتغير جذرياً.
اليمن أمام اختبار جديد
تضع التطورات حول المخا وذو باب وميون الحرب اليمنية أمام مسارات معقدة واختبار مختلف ، فبعد أن كان الصراع خلال السنوات الماضية يدور أساسا حول المدن والطرق ومراكز السلطة، تدخل اليوم الجغرافيا البحرية بقوة أكبر في تحديد قيمة المكاسب العسكرية.
ومن يسيطر على الأرض يستطيع التأثير في حركة القوات والاقتصاد المحلي، لكن من يقترب من الممرات البحرية يمتلك قدرة إضافية على التأثير في حسابات الإقليم والقوى الدولية.
لهذا فإن معركة الساحل الغربي لا ينبغي قراءتها باعتبارها جولة أخرى من جولات الحرب. إنها مواجهة على هندسة المجال الاستراتيجي لليمن، من تعز والمخا إلى باب المندب والبحر الأحمر وصولا إلى المحيط الهندي.
وإذا ثبت الحوثيون سيطرتهم على هذه المواقع، فإن الحرب سوف تنتقل إلى مرحلة يصبح فيها أمن اليمن الداخلي متشابكا بصورة مباشرة مع أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم ، وعند هذه النقطة، ستصبح استعادة زمام المبادرة الحكومية قضية تتجاوز استعادة الأرض.
فالمطلوب بناء قدرة متماسكة تمنع تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة ضغط على الإقليم والملاحة الدولية في آن واحد.باب المندب في قلب الحرب.. الحوثيون ينقلون المعركة من العمق البري إلى الممر الدولي

