آخر الأخبار

spot_img

عبدالقوي شريف.. حين يصبح الاعتدال هدفاً للخصومات

صحيفة الثوري – (مقال رأي)

د. منير أحمد السقاف

ليست كل الحملات الإعلامية التي تُشن على المسؤولين نابعة من الحرص على المصلحة العامة، وليست كل الاتهامات التي تتداولها المنصات السياسية والإعلامية دليلاً على وجود أخطاء حقيقية. ففي أوقات الانقسام، قد يتحول الإعلام من وسيلة للرقابة والمساءلة إلى أداة لتصفية الحسابات، وتشويه الشخصيات، وإضعاف كل من يرفض الانخراط في الصراعات الحزبية الضيقة.

والحملة التي تستهدف الشيخ عبدالقوي شريف، محافظ محافظة صنعاء، تثير تساؤلات مشروعة بشأن أهدافها وتوقيتها، خاصة أن الرجل عُرف طوال سنوات عمله العام بمواقفه المتوازنة، وحرصه على تجنيب المجتمع مزيداً من الانقسامات والصدامات.

إن الشيخ عبدالقوي شريف ليس بحاجة إلى شهادة من حملة عابرة أو خصومة سياسية طارئة. فتاريخه الاجتماعي والإداري، وعلاقاته الواسعة، ومواقفه في حل النزاعات، هي التي تشهد له. وقد عرفه الناس شيخاً مسؤولاً، ورجل دولة يدرك أن المسؤولية لا تعني إصدار الأوامر من المكاتب، بل النزول إلى الميدان، والاقتراب من الناس، والتدخل في اللحظات الحرجة قبل أن تتحول الخلافات إلى حروب وفتن يصعب احتواؤها.

وفي مجتمع قبلي يعاني من آثار الحرب والثأر وانتشار السلاح، تصبح جهود الوساطة وإصلاح ذات البين عملاً وطنياً لا يقل أهمية عن أي مهمة سياسية أو عسكرية. وقد أدى عبدالقوي شريف هذا الدور في أكثر من مناسبة، وأسهم في معالجة خلافات قبلية وقضايا ثأر، والعمل على إيقاف مواجهات مسلحة كان من شأن استمرارها أن يوسع دائرة الدم ويهدد الأمن والاستقرار الاجتماعي.

لم يكن الرجل يبحث عن الأضواء في تلك المواقف، ولم يجعل من جهوده مادة للدعاية السياسية، بل تحرك انطلاقاً من مسؤوليته الاجتماعية ومكانته القبلية والإدارية. وهذه خصلة يعرفها كل من تعامل معه أو شهد حضوره في القضايا العامة: الهدوء في زمن الانفعال، والحكمة في وقت التوتر، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف دون تعصب أو استعلاء.

ومن المؤسف أن تتحول هذه الصفات إلى سبب للاستهداف. ففي البيئات السياسية المختلة، يصبح المسؤول المتوازن مصدر إزعاج لأصحاب المصالح، ويصبح المستقل عن الاستقطابات الحزبية هدفاً لمن يريدون إخضاع مؤسسات الدولة لسلطة التنظيم والولاء الضيق.

إن الدولة لا تُبنى بالحملات الإعلامية ولا بإسقاط الشخصيات بعضها ببعض، وإنما تُبنى بالقانون والمؤسسات والمساءلة العادلة. ومن لديه اتهام موثق ضد أي مسؤول، فعليه تقديمه إلى الجهات المختصة، بعيداً عن التشهير والتحريض واستخدام وسائل الإعلام لإصدار الأحكام المسبقة.

أما تحويل الخلاف السياسي إلى حملة تستهدف المكانة الاجتماعية والتاريخ الشخصي، فهو سلوك يضر بالدولة أكثر مما يضر بالشخص المستهدف، لأنه يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويدفع الشخصيات الاجتماعية والوطنية إلى الانكفاء بدلاً من المشاركة في حل المشكلات العامة.

إن محافظة صنعاء، مثلها مثل بقية المحافظات التي تعيش ظروف الحرب والنزوح والانقسام، تحتاج إلى رجال قادرين على الجمع لا التفريق، وعلى مد جسور التواصل بين الدولة والقبائل، وعلى منع الخلافات من التحول إلى صراعات مسلحة. والشيخ عبدالقوي شريف واحد من الشخصيات التي تمتلك هذه القدرة بحكم تجربته ومكانته وعلاقاته.

ولذلك فإن الوقوف إلى جانبه اليوم لا يعني منح أي مسؤول حصانة من النقد أو المساءلة، وإنما يعني رفض الاستهداف غير المسؤول، والتمييز بين النقد الموضوعي الذي يخدم المصلحة العامة، والحملات التي تحركها الخصومات والتنافسات السياسية.

نحن بحاجة إلى ثقافة وطنية تحمي مؤسسات الدولة ورجالها من الابتزاز الحزبي، وتضمن في الوقت ذاته حق المجتمع في الرقابة والمساءلة. فالدولة التي يحكمها القانون لا تخشى النقد، لكنها أيضاً لا تسمح بتحويل الشائعات إلى إدانات، ولا بوسائل الإعلام إلى محاكم سياسية.

لقد عرفنا الشيخ عبدالقوي شريف رجلاً حاضراً في المواقف الصعبة، ومسؤولاً يسعى إلى احتواء النزاعات وحماية النسيج الاجتماعي، وشخصية تجمع بين مكانة الشيخ وخبرة رجل الدولة. ومثل هذه الشخصيات ينبغي أن تُدعَم في أداء أدوارها الوطنية، لا أن تُستنزف في معارك جانبية لا يستفيد منها إلا خصوم الدولة والنظام الجمهوري.

إن معركتنا الحقيقية ليست بين أبناء الصف الواحد، ولا بين المسؤولين والشخصيات الاجتماعية، بل مع كل من يسعى إلى إسقاط الدولة وتفكيك المجتمع وإغراق اليمن في صراعات لا تنتهي.

ومن هذا المنطلق، نعلن تضامننا مع الشيخ عبدالقوي شريف في مواجهة أي حملة ظالمة تستهدفه خارج إطار القانون، وندعو إلى وقف خطاب التحريض والتشهير، والعودة إلى لغة العقل والمسؤولية واحترام مؤسسات الدولة.

فالرجال الذين يسعون لإطفاء الحرائق لا ينبغي أن يكونوا وقوداً لصراعات الآخرين، ومن يعمل على جمع الصف لا يجوز أن يُستهدف بأدوات الفرقة والانقسام.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img