آخر الأخبار

spot_img

حين تُورَّث القناعات… هل ما زلنا أحراراً؟

“صحيفة الثوري” – (رأي):

عارف شكيب

قبل أن أحكي لكم عن موقف بسيط لكنه غيّر نظرتي لكثير من الأمور، أحب أن أبدأ بفكرة للفيلسوف الألماني فريدريش هيجل، حين أشار إلى أن كثيراً من رغباتنا ليست اختياراً خالصاً منا، بل هي امتداد لنشأتنا وتعليمنا والمجتمع الذي نعيش فيه. وبغض النظر إن كان أصل هذه الرغبات بيولوجياً أو اجتماعياً، فالنتيجة واحدة: نحن في الغالب لم نخترها كما نعتقد. وإذا كنا نتحرك وفق رغبات لم نخترها، فهل نحن أحرار فعلاً؟

هذه الفكرة لم تكن مجرد طرح فلسفي بالنسبة لي بل شعرت بها وأنا أراقب ابني علي، وعمره سبعة أعوام في الفترة الأخيرة، لاحظت أنه بدأ يشجع نفس الأندية والمنتخبات التي أشجعها أنا، بل ويتحمس ويفرح ويحزن وكأنها قناعته الشخصية في البداية أعجبني الأمر، لكن بعد لحظة صدق مع نفسي، سألت: هل هذا اختياره أم ظلي أنا؟

وقتها شعرت أني –دون أن أقصد– أزرع فيه شيئاً قد يكبر معه دون أن يسأل عنه. فقررت أن أتوقف، وأن أجلس معه ببساطة، وأخبره أن له الحق الكامل أن يختار ما يحب، أن يشجع من يريد، وأن تكون له قناعاته الخاصة، لا أن يكون نسخة مني حتى لو كانت نسخة أفضل .

هذا الموقف الصغير فتح لي باباً أكبر للتفكير إذا كان هذا يحدث في أبسط الأشياء، مثل تشجيع فريق، فكيف بالأمور الأكبر؟

وإذا عودنا لموضوع الأحزاب السياسية. في الظاهر، تبدو الأحزاب السياسية تعبيراً عن التعدد والحرية والديمقراطية، لكن في العمق، نجد أن كثيراً من الانتماءات تُورَّث كما تُورَّث الأسماء. ابن المؤتمري مؤتمري، وابن الإصلاحي إصلاحي، والاشتراكي اشتراكي… وهكذا. ليس لأنهم اختاروا، بل لأنهم نشأوا داخل هذا الإطار.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل نحن نختار قناعاتنا أم أننا نرثها؟

داخل الأسرة، حيث يفترض أن تبدأ الحرية، يحدث أحياناً العكس. لا أحد يفرض بشكل مباشر، لكن هناك غرس مستمر، توجيه غير معلن، تكرار يصنع القناعة مع الوقت. حتى يصبح الابن مقتنعاً بما لم يختره أصلاً.

ولا يتوقف الأمر عند السياسة، بل يمتد إلى الدراسة، والعمل، وحتى شكل الحياة. كثير من الأبناء لا يعيشون ما يريدون، بل يعيشون ما كان يتمناه آباؤهم.

المشكلة أننا نفعل ذلك بدافع الحب، لكن الحب أحياناً يقيّد أكثر مما يحرر. نريد لأبنائنا الأفضل، لكننا ننسى أن الأفضل من وجهة نظرنا قد لا يكون كذلك بالنسبة لهم.

باختصار، هناك فرق بين أن نربي أبناءنا .. وأن نكرر أنفسنا من خلالهم.

ما يجب أن نغرسه فيهم هو القيم، المبادئ، الأخلاق هذه لا نقاش فيها. أما اختياراتهم، ميولهم، قناعاتهم، فهذه يجب أن تُترك لهم، ليكتشفوا أنفسهم بأنفسهم.

لأن الحرية الحقيقية لا تبدأ من الشارع ولا من السياسة
الحرية تبدأ من داخل البيت.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img