آخر الأخبار

spot_img

المنتديات والأنشطة الثقافية في تعز ترمّم فوضى الحرب

(تعز) – “صحيفة الثوري”:

ربيع صبري

عُرفت اليمن على مرّ العصور معقلًا حضاريًا وثقافيًا، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي حتى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عاشت هذه البلاد أفضل مراحلها الثقافية وأنشطتها في العصر الحديث. تصدّر فيها أدباء وكُتاب وشعراء كُثر، أصدروا أبرز الأعمال اليمنية، كما أنّها شهدت نشاطًا ثقافيًا واسعًا، وتعدّدت المؤسّسات والمنتديات الثقافية والجلسات الحوارية، وافتُتحت مكتباتٌ عدّة، ما أتاح الوصول إلى إصداراتٍ عربيةٍ ودوليةٍ متنوعة. وكانت مدينة تعز تحديدًا تتصدّر المشهد بصفتها العاصمة الثقافية لليمن، واعتُمدت بتلك الصفة رسميّا بقرارٍ جمهوريٍّ في عام 2013، لأهمّيتها الثقافية وتراثها الحضاري والثقافي الزاخر. فقد كانت هذه المدينة موجودةً منذ زمن بعيد، وكانت تُتخذ مركز حكمٍ لدولٍ وممالكٍ قديمة، أبرزها الدولة الرسولية، التي جعلت من تعز عاصمتها آنذاك.

لكن، مع اندلاع الحرب في أواخر عام 2014، ووصولها إلى محافظة تعز في بداية عام 2015، غابت هذه الأنشطة بشكلٍ شبه كامل. حربٌ حصدت الأرواح، هدّمت المنازل والمباني، قطعت الطرق أمام الغذاء والدواء، لم تدع شيئًا سليمًا، حتى الأحلام. حصارٌ فُرض على المدينة ولا يزال مستمرًا حتى الآن. حمل الناس همًّا لم يفارقهم: كيف سيصمدون؟ هل ستشرق شمسُ الغدِ عليهم أو ستهدم قذيفة سقف البيت وتحرق آمال الحياة؟

في ظلّ الحرب، وتحت وطأة الحصار، انصرف اهتمام الناس نحو أولويات البقاء وتدبير شؤون حياتهم اليومية. انشغلوا بسباقٍ يوميٍ مضنٍّ لتأمين لقمة العيش. وكذلك ضعف الدولة والانقلاب الذي أسقط مؤسّساتها المختصة بتعزيز ودعم الثقافة وأنشطتها، كل ذلك جعل مدينة تعز تُعلن عن معركةٍ من نوعٍ آخر؛ معركة الوعي. كما ذكرنا سابقًا لم يدع الحرب والحصار شيئًا سليمًا، والمجال الثقافي غير مستثنى من ذلك. مع قساوة الظروف، أُجبر المواطن على كثير من الأشياء التي لا يُريدها، ومنها ابتعاده عن القراءة وباقي الأنشطة الثقافية والفكرية. ترك إطعام عقله، باذلًا جهده لتوفير قوتٍ يسدّ به جوع معدته ومَن معه من أفراد عائلته، مما أثر سلبًا على سلوك الأفراد ووعيهم. ولا ننسى أنّ البطالة والتسرّب من التعليم، هما العاملان الرئيسيان لخلق الفوضى داخل أيّ مجتمع، والسبب الرئيسي الذي يهدّد السلم والتماسك المجتمعي. وهذا ما أنتجته الحرب في تعز. وأتاح غياب المنتديات والأنشطة الثقافية المجال للشوارع لتكون حاضنةً للناس وللتجمعات و”التخازين”، لتصبح مدرسةً للشللية والبلطجة و”الثقافة الشوارعية” بكلّ أنواعها، يقوم بنقلها الفرد المختلط بها إلى منزله والحي الذي يقطن فيه. فتُحدِث مشكلاتٍ وتوتّراتٍ داخل الأسر، وتفكّكها في بعض الأحيان. ولولا أنّ هذه المحافظة قد اكتسبت ما اكتسبته قبل ذلك، ورفعت الوعي العام مُسبقًا، لكان الوضع أكثر مأساوية وسوءًا.

وفي ظلّ هذه الفوضى العبثية، ظهرت مساحاتٌ مغايرة يقودها شباب محلّيون، اختاروا استعادة دور المدينة عاصمةً للثقافة اليمنية بجهود ذاتية، رافضين أن تبتلعهم ثقافة الحرب. برزت عدد من الصالونات والمؤسّسات الثقافية، منها: “سطور”، “أرنيادا”، “إرم”، “صروح”، “ميون”، “معد يكرب”، “أصدقاء الكتاب والقهوة” وغيرها، كبيئة آمنة لنشر الثقافة ورفع مستوى الوعي العام، بجلسات وفعاليات ثقافية مختلفة.

هذا الحراك لا يكتفي بتقديم القراءة أو الندوات نشاطا ذهنيا فقط، بل يعمل كأداةٍ لترميم الوعي المجتمعي وتهذيب السلوك الإنساني الذي خدشه الحصار، وإعادة ما سلبته الحرب من الشخصية التعزية. الشارع بالخارج قد يعجُّ بالفوضى، لكن هذه المنتديات والمؤسّسات الثقافية تحاول بأنشطتها تكريس قيم الحوار والمنطق وترسيخها في التعامل اليومي للأفراد، ليكونوا حواريين لا صداميين، مبتعدين عن الانفعال العنيف لصالح المنطق والعقلانية، في اختبارٍ حقيقي لقدرة الوعي على الصمود أمام قسوة الحصار.

ضمن أنشطتها، تعمل مؤسسة “أرنيادا” للتنمية الثقافية على إتاحة مساحات إبداعية تنطلق من نشر المعرفة وفتح نوافذ للحوار. ومن أبرز هذه المساحات منتدى “هيمان” المختصّ بفنون الغناء، و”سينما الأربعاء” التي تُقام عبر عروض أسبوعية تتبعها حلقات نقاش، إضافة إلى صالون “أرنيادا” المفتوح للقراءة والإبداعات الأدبية والفنّية. تُسهم هذه الأنشطة في تقوية الروابط والعلاقات الاجتماعية وتعزيز السلم المجتمعي؛ إذ أتاحت، وفق ما يوضّحه رئيس المؤسسة آدم الحسامي، لقاءاتٍ بين رواد الفنون والآداب بعد “عزلةٍ فرضتها ظروف الحرب”، ما أتاح تلاقيًا بين “الأجيال، والخبراء والهواة، والمنتجين والشباب المبدع”.

كما تؤكّد هذه التجارب، بحسب الحسامي، دور الثقافة في ترسيخ قيم التعايش والسلم لدى المجتمع، وهو ما عبّر عنه بقوله: “أكّدت هذه الأنشطة على دور الثقافة في تعزيز قيم التعايش والسلام ونبذ مفردات الموت والعنف”. ومن بين أبرز المخرجات التي يُشير إليها الحسامي، ارتفاع مستوى الإنتاجية لدى الشباب المبدع، مؤكدًا أنّ “أرنيادا” تطمح للمساهمة في خلق منظومة لـ”صناعة ثقافية بأدوات معاصرة ووعيٍ بأهمية التراث، حفاظًا عليه واستلهامًا منه”.

الآثار الإيجابية للثقافة والقراءة على الذات والمجتمع

الإنسان مُتأثّر بمحيطه وبمن حوله إيجابا أو سلبا. ينعكس ذلك على سلوكه وتعامله. كذلك يبدأ بمحاولة نقل ما اكتسبَه لمن حوله، أي يتحوّل من مُتأثّر فقط، إلى مُتأثر ومؤثّر في الوقت نفسه. ولما كان من غير المُمكن تبديل الواقع المحيط بالأفراد، وجب علينا البدء بتحسينه تدريجيًا كمراحل علاجية، والثقافة هي الدواء. وفي هذا الإطار تعتبر حنين الإغواني، مديرة مؤسسة “سطور” للتنمية الثقافية، أنّ المنتديات والصالونات الثقافية تمثّل فعلًا مضادّا لـ”ثقافة العشوائية” التي خلّفتها الحرب، مؤكّدةً أنّ “المنتديات فعل لزراعة الوعي وإلغاء ثقافة العشوائية، مثل الجهل وحمل السلاح والعنف”، وأن “القراءة هي الفكرة التي يستطيع أيّ إنسان أن يقاوم بها كل ذلك”، كما تساعده على تجنب “الوقوع في اليأس أو الاستسلام للأفكار السلبية”.

ووفقًا للمؤشّرات، يُتوقع ازدهار مستقبل النشاط الثقافي في تعز، ففي العامين الماضيين افتُتحت كثير من المؤسّسات والمنتديات والمشاريع الثقافية. وذلك ينعكس إيجابًا على المشهد الثقافي في المدينة. كما لاحظنا أيضًا أنّ أغلبية أعمال الدراما اليمنية هذا الموسم صُوّرت وأُنتجت في تعز، لتصبح محطّة يقصدها الجميع للإنتاج الدرامي. ولضمان مستقبل الثقافة تقول الإغواني في مقابلة خاصّة أجريتها معها: “يجب على الجهات المعنية توفير الدعم والاهتمام بهذا المجال، وعلى الأفراد العمل باحترافية لأجل ذلك”.

فيما يخص احتياجات المؤسّسات الثقافية لاستمرار عملها، تؤكّد الإغواني أنّ “المؤسّسات تحتاج إلى ثلاثة عناصر مهمة، هي: البناء المؤسّسي، والدعم المالي، والفني”، إلى جانب العمل الإبداعي ووجود لوائح تنظّم العمل وتضمن استمراره، “حتى لا تكون مجرد مبادرة فردية تنتهي برحيل أصحابها أو بانتهاء شغفهم”.

للثقافة والقراءة أثرٌ عميق في الإنسان، فهي لا تغيّر ما يعرفه فقط، بل تغيّر الطريقة التي يرى بها العالم، والطريقة التي يتعامل بها مع نفسه ومع الآخرين. يرى صابر الجرادي، أحد الشباب المنخرطين في الأنشطة الثقافية، أنّ الشخص حين يقرأ ويحتكّ بالأفكار المختلفة في الكتب أو المنتديات والأمسيات الثقافية، يبدأ تدريجيًا في “إعادة ترتيب مفاهيمه ووعيه”، مشبّهًا الأمر بـ”غرفة قديمة يدخلها الضوء لأول مرّة، فيكتشف الإنسان ما فيها من فوضى وما يمكن إصلاحه”.

ويُضيف الجرادي: “لاحظت أنّ القراءة تجعل الإنسان أكثر هدوءًا في الحكم على الناس، وأكثر قدرة على الإصغاء، فبدلا من أن يكون ذا ردّة فعل سريعة وانفعالية نحو بعض الأشياء، يصبح في التفكير أعمق، وفي النقاش أكثر اتزانًا، كما أنّ الاطلاع على ما يكتبه وما يقوله الآخرون من تجاربهم وأفكارهم يوسّع أفق الإنسان، فيدرك أنّ الحقيقة ليست دائمًا في زاوية واحدة، وأنّ لكل قضية وجوهًا متعددة”.

وترى ياسمين المعمري إحدى الصحفيات المشاركات في الأنشطة الثقافية وصالونات القراءة، أنّ الإنسان قد يمرّ في بداية مراهقته بمرحلة يكون فيها “سريع الغضب في النقاش مع أسرته أو أصدقائه، خصوصًا عندما يختلفون معه في الرأي، لكنّه بعد سنوات من القراءة والاحتكاك بالنقاشات الفكرية، يتغير أسلوبه وسلوكه”. وتوضح: “يبدأ في الاستماع وفهم وجهة نظر الآخر. ويدرك أنّ الحوار الهادئ أقرب إلى الحقيقة والحلّ من الجدال الحاد”. وتؤكّد أنه يصبح أكثر “حساسيةً تجاه القضايا العامّة”، فيبدأ بالنظر إلى مشكلات المجتمع بـ”عينٍ تحليلية لا بعينٍ عاطفيةٍ فقط”، وأنّه بالثقافة يتحوّل الإنسان من “شخص يكتفي بالشكوى من الأوضاع”، إلى “شخص يحاول فهم أسبابها، والبحث عن حلول أو المساهمة في نشر الوعي حولها”.

تؤدّي الثقافة دورًا أساسيًا في مساعدة الإنسان على فهم الأزمات التي يمرّ بها والتعامل مع آثارها النفسية، خصوصًا في المجتمعات التي عانت من الحروب. وفي هذا السياق، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي عيبان السامعي أنّ “الإنسان كائنٌ ثقافيٌ في جوهره”، ويتميّز عن غيره من المخلوقات بقدرته على صناعة المعنى وبناء نظامٍ خاصٍ من “اللغة والرموز والقيم والمبادئ والرؤى” التي يفسّر بها “وجوده وعلاقته بالعالم المحيط به”. ومن هذا المنطلق، تصبح الثقافة “وسيلة أساسية لإدراك الإنسان للكون ولمواجهة التحديات التي تعترض حياته، بما في ذلك آثار الحروب وما تُخلّفه من أزمات نفسية عميقة”، فالثقافة إذن لا تقتصر على كونها تعبيرًا عن الهوية أو التراث، بل تُمثل أيضًا موردًا رمزيًا يساعد الأفراد والمجتمعات على استيعاب الصدمات الجماعية وإعادة بناء توازنهم النفسي والاجتماعي بعد فترات النزاع.

ويشير السامعي إلى أنّ الثقافة تزود الأفراد والجماعات بـ”معنى لوجودهم”، أي بهويتهم، وتمنحهم الشعور بالتماسك والتضامن وبالانتماء إلى “كيانٍ أكبر يجمعهم مصيرٌ مشترك”. كما أنها، وفقًا له، “تمنح المجتمع وعيًا ومناعةً فكرية تمكّن أفراده من مواجهة التضليل والتزييف الذي تمارسه جماعات ميليشياوية تسعى إلى السيطرة على عقولهم وإلى توظيفها في معاركها الخاصة”.

الثقافة وأنشطتها هي الوسيلة الأكثر فاعلية لمواجهة آثار الحرب العقلية والنفسية في المجتمع، وعن أهمية المنتديات والأنشطة الثقافية في تهذيب وأنسنة سلوك المجتمع، يؤكّد السامعي أنّ “هذه الفضاءات تمثل ملتقى اجتماعيًا وثقافيًا يلتقي فيه الأفراد من مختلف التوجهات الفكرية والاجتماعية والسياسية، الأمر الذي يجعلها تُسهم بدور فاعل في ترسيخ قيم الحوار العقلاني والتنوع والتعدد، والتسامح والتعايش والقبول بالآخر”. ويرى أن مثل هذه الأنشطة “تؤدّي دورًا مهمًا في استنهاض الروح الوطنية، وتحفيز الأفراد نحو قيم الحرية والخير والجمال، وتعمل على تنمية الرأسمال الاجتماعي والفكر النقدي الحر، ومواجهة التعصب والتطرف والغلو”.

التعافي الثقافي مرتبط بوجود دعم حقيقي

اليوم، ومع عودة هذه المنتديات والأنشطة الثقافية إلى الظهور في تعز وتعافيها ثقافيًا، يبقى استمرار التعافي مرتبطًا بتوسّع المشاركة المجتمعية فيها، وبوجود دعم حقيقي من الجهات المعنية. فالمساهمة في هذه المساحات، حضورًا وتنظيمًا ودعمًا، تعني الاستثمار في الوعي والسلم المجتمعي، وضمان أن تظلّ الثقافة حاضرة كقوةِ توازن في مدينة أنهكتها سنوات الحرب وضاق بها الحصار. فهي لم تعد أنشطة ترفيهية وحسب، بل تحولت إلى مساحات لحماية الوعي وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img