صحيفة الثوري- وكالات
يعد الدعم الأمريكي لإسرائيل على مدى عقود طويلة أحد الثوابت الراسخة في السياسة الخارجية لجمع الحزبين الديمقراطي والجمهوري في واشنطن ، إلا أن المشهد السياسي يشهد اليوم تحولاً جذرياً؛ إذ أدت الحرب على غزة، والتصعيد ضد إيران، وتحالف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الوثيق مع الحزب الجمهوري، إلى تآكل هذا الدعم بين أوساط الديمقراطيين، مما يهدد بتحويل التحالف التاريخي إلى محط انقسام حزبي حاد.
تشير المعطيات السياسية واستطلاعات الرأي إلى تراجع حاد في تأييد إسرائيل بين قواعد الناخبين الديمقراطيين، لا سيما مع فوز مرشحين تقدميين يتبنون مواقف ناقدة لإسرائيل في الانتخابات التمهيدية للحزب.
وقد ظهر هذا التحول بوضوح في الكونجرس؛ حيث صوّت ما يقرب من نصف الأعضاء الديمقراطيين في مجلس النواب لصالح مشروع تعديل يهدف إلى قطع المساعدات العسكرية عن إسرائيل — وهو إجراء كان ليُرفض بأغلبية ساحقة في السنوات الماضية.
وعلى الرغم من معارضة قيادة الحزب للمشروع، بما في ذلك زعيم الديمقراطيين حكيم جيفريز، فإن شخصيات بارزة مثل الرئيسة السابقة للمجلس نانسي بيلوسي ومسؤولة الانضباط الحزبي كاثرين كلارك أيدن الإجراء، مما يعكس عمق الخلاف حول استمرار المساعدات العسكرية البالغة 3.8 مليارات دولارسنوياً.
كما تتسع الفجوة داخل الحزب الديمقراطي بين مطالبات بقطع المساعدات كلياً، أو قصرها على الأسلحة الدفاعية، أو استمرارها بنفس الشكل التقليدي، تعليقاً على ذلك، أشار السناتور كريس كونز، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، إلى أن غياب نتنياهو عن القيادة قد يفتح صفحة جديدة، قائلاً: “الحكومات الجديدة يمكنها تغيير المسار، وقد أبقى نتنياهو إسرائيل في حالة حرب لسنوات لأسباب تتعلق بتجنب التبعات السياسية لخياراته.”
من جانب آخر، تعكس أرقام استطلاع أجرته جامعة “كونيبياك” هذا التغير؛ حيث يرى 66% من الناخبين الديمقراطيين أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مفرطاً لإسرائيل، مقارنة بنسبة 20% فقط عند طرح السؤال عام 2017.
تشكل الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيجان اختباراً قياسياً لهذا التحول السياسي؛ حيث يتواجه المرشح التقدمي عبدول السيد مع النائبة هيلي ستيفنز المدعومة من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) هيلي ستيفنز ترى أن العلاقات الوثيقة مع إسرائيل تعزز النمو الاقتصادي وتحمي الحريات ، وعبدول السيد يتساءل عن جدوى إرسال أموال الضرائب لتمويل ممارسات توصف بالعدوانية والانتهاكات بدلاً من الاستثمار الداخلي في القطاعات الخدمية كالتعليم والصحة.
ولم يقتصر هذا السجال على ميشيجان، بل امتد لسباقات انتخابية بارزة في نيويورك، وفلوريدا، وكولورادو، حيث خسرت نواب مخضرمات لصالح تقدميين يطالبون بوقف الدعم العسكري.
يعود هذا التوتر إلى عام 2015 عندما ألقى نتنياهو خطاباً أمام الكونجرس بطلب من الجمهوريين للتحريض ضد الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة باراك أوباما ، وتعمقت الفجوة عقب الحرب الأخيرة على قطاع غزة والاحتجاجات الطلّابية الواسعة في الجامعات الأمريكية عام 2024، مما يمارس ضغوطاً متزايدة على القيادات الديمقراطية لإعادة تقييم الحلف التاريخي.
وفي هذا السياق، أوضح جيريمي بن-عامي، رئيس منظمة “جيه ستريت” التقدمية، أن النهج اليميني لنتنياهو وتحركات منظمة “إيباك” أوجدا حالة غضب حادة أدت إلى جعل ملف إسرائيل قضية خلافية داخل الحزب.
كما وصف أستاذ العلوم السياسية شبلي تلحمي هذا التحول بأنه “تغير في النموذج الفكري” جعل النظرة السياسية تجاه الممارسات الإسرائيلية تأخذ منحنى غير مسبوق في الإدارة والشارع الأمريكي.

