“صحيفة الثوري” – (في الذاكرة):
أ.د. محمد فاضل الفقيه
ثمة شخصيات في التاريخ لا يكتب لها القدر أن تعيش حياةً عادية، وكأنها وُلدت لتكون وقودً للتحولات الكبرى، ثم تحترق في صمت، دون أن تترك خلفها حتى رفاتاً يُزار. عبدالفتاح إسماعيل الجوفي، أو “فتاح” كما كان يحب رفاقه أن ينادوه، لم يكن مجرد رجل سياسة أو رئيسٍ مرّ على كرسي الحكم في عدن؛ بل كان حالةً استثنائية من الشغف والتعقّد، مسكوناً بفضول المعرفة، ومأخوذاً بحلم يوتوبي كبير انتهى بفاصلة دموية في يناير 1986.
• الفتى الفقير وزهد العارف
من ظلال قرية “الأشعاب” النائية في حيفان، خرج هذا الفتى النحيل، يحمل في جرابه زاداً قليلاً من الدنيا، وشغفاً لا يرتوي بالقراءة والتعلّم. وحين وصل إلى عدن، لم تفتنه أضواء المدينة الساحلية ولا صخب مينائها؛ بل انغمس في أروقة الكتب، محاولاً فهم العالم من حوله.
من عمله الشاق في مصافي الزيت بالبريقة، إلى زنازين الاستعمار البريطاني، تشكلت شخصيته: رجلٌ زاهد في المظاهر، بسيط الملبس، خفيض الصوت، يملك قدرةً عجيبة على الاستماع، ويعيش بقلب شاعر وعقل منظّر. لم تكن السلطة لديه يوماً مبنىً أو حراساتٍ مشددة، بل كانت “فكرة” يسعى إلى تطبيقها، وقلماً يترجم رؤيته للعدالة والمستقبل.
• بين السيف والنجمة: حيرة الشاعر في عالم السياسة
تجلت المأساة الحقيقية لـ”فتاح” في أنه حاول أن يجمع بين متناقضين: قسوة السياسة، ورهافة الشاعر. وفي ديوانيه: (الكتابة بالسيف) و(نجمة تقود البحر)، تستشف ذلك الاغتراب الروحي الذي عاشه. كان يدرك أن عالم السياسة الكواليسية في المنطقة مجرد “حقل ألغام”، لكنه ظل متمسكاً بالكتب والنظريات، ظاناً أن الأفكار قادرة على تهذيب صراع الرفاق والأنداد.
لم يكن رجلاً عسكرياً بالمعنى التقليدي، بل كان أديباً أخذته الأقدار ليقود دولة في أعتى مراحل الحرب الباردة. وحين نُفي قسراً إلى موسكو عام 1980، تحت ذريعة “المرض”، عاش سنوات النفي كمن يُنتزع من جذوره، يقتله الشوق إلى شوارع عدن وأزقتها، متابعاً من بعيد كيف تتآكل الفكرة التي صرف عمره في بنائها.
• النظرة الأخيرة: مأساة “يناير” والرماد الأخير
حين عاد إلى الوطن عام 1985، لم تكن عودته بحثاً عن سلطة فقدها، بل كانت استجابةً لنداء داخلي يرفض الهزيمة والمنفى. لكن المدينة التي أحبها لم تعد كما كانت؛ فقد كانت طباخات الصراع قد وصلت إلى مرحلة الغليان.
وفي صبيحة 13 يناير 1986، حين انفجر جدار الصمت بالرصاص والمدافع في قلب عدن، وجد المنظّر النحيل نفسه في قلب المأساة. لم تُفلِته النظريات، ولم تحمِه الدواوين الشعرية من جنون الصراع الأخوي.
تعددت الروايات وتضاربت حول لحظاته الأخيرة؛ بين من قال إنه قُتل وتخلّصوا منه في ظروف غامضة، وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن مدرعة احترقت بركابها تحت نيران القصف في شوارع المدينة. لكن النتيجة كانت واحدة: رحل عبدالفتاح إسماعيل دون أن يُعثر له على جثة، ودون أن تُقام له جنازة، ليتحول مصيره إلى لغز يؤرق ذاكرة التاريخ اليمني.
• رحيل بلا شواهد
تكمن مأساة عبدالفتاح إسماعيل في أنه كان ضحيةً للرؤية التي حاول بناءها، وللصراع الإيديولوجي والقبلي الذي فشل في كبح جماحه. رحل الرجل الذي ملأ الدنيا شغفاً وكتابةً، وتدبيراً وتنظيراً، وغاب جسده في عاصفة الدخان والرماد، ليظل، حتى يومنا هذا، رمزاً للمثقف الذي طحنته رحى السياسة، وللرفيق الذي غدرت به الأقدار في منتصف الطريق.

