آخر الأخبار

spot_img

رحلة الحوثيّة إلى المستقبل المستحيل

“صحيفة الثوري” – (رأي):

أيمن نبيل

يطرح اليمنيُّون في مجالسهم الخاصة سؤالًا مكرورًا: إلى متى سيبقى الحوثيُّون؟ والمقصود هو إلى متى تستمر سلطة الحركة الحوثية وسيطرتها على ثلث جغرافيا البلاد؟

المقال يحاول تأمل الإجابة عن السؤال، ولكن السؤال نفسه يشي بأول علامة على طريق الإجابة عليه مُسبقًا؛ السلطة التي تتمتع بالشرعيّة الكافية لا يُسأل عن مستقبلها إلا في دوائر المفكرين وعلماء السياسة، أما حين يكون وجودها نفسه مسألة نقاش عمومي يومي فهذا يقترح أنها لم تستأهل المستقبل بعد، وهذه المسألة هي الجوهر في نقاش مستقبل أي نظام سياسي وأي سلطة حاكمة.

-1-

لنبدأ بالأقل أهميّة. إذا نظرنا في الخريطة وجدنا الحوثيَّة محاصرة جغرافيًا بأعدائها من كل الجهات: شمالا قوات الحكومة الشرعية وخلفها حدود المملكة العربية السعوديّة، جنوبًا وشرقًا القوات الحكوميّة، وفي الجنوب الغربي قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي. هذا لا يعني أن الحوثية لا تملك خطوط تهريب للسلاح والأفراد برًا وبحرًا، ولا يعني أنها محاصرة بالفعل؛ ولكنها استراتيجيًا في وضع خطير يهدد وجودها ويمكّن من خنقها إذا تغيّرت سياسات أعدائها، ولتغيير هذا المأزق إما أن تسحق الحوثية كل الجبهات التي تحيط بها، وإما أن تصالحها، وكلا الأمرين بعيدان عن الحوثيّة؛ الأول صعب وكانت آخر محاولاتها حملتها الكبرى على مأرب في عام 2021 التي أثخنت الحوثيّة وخسرت فيها عشرات آلاف المقاتلين دون بلوغ هدفها وهذا ما شجعها على قبول الهدنة في 2022 المستمرة بشكل غير رسمي حتى اليوم وإن كانت على ما يبدو تلفظ أنفاسها الأخيرة، والثاني يناقض أيديولوجيتها وخطابها الرسمي وتصوّرها عن نفسها بَلْه أن لا أحد في عالم السياسة اليمنية يثق بالحوثيّة والتزامها بما توقّع عليه إن هي وقعت على اتفاق.

هذا المأزق على خطورته ليس أهم المسائل في نقاش مستقبل سلطة الحوثيين؛ لأن تخيَّل مخارجه يبقى منطقيًا وإن كان بعيدًا عن الواقعيّة. مثلًا يمكن تخيُّل تداعٍ سريع مباغت لقوات الحكومة إثر هجمة حوثيّة صاعقة، أو تغيّر تصورات الحوثيّة عن توازنات الصراع نحو مقاربات أكثر واقعية إن مُنيت بضربة مؤلمة صعد على إثرها جيل آخر في الحركة أكثر عقلانيّة، أو تبدّل درامي في العلاقات بين السعوديّة والحوثيّة إثر انقلاب كبير في العلاقات الدولية. هذا كله بعيد ولكنه يحدث في التاريخ.

-2-

الأهم هنا هو مسألة الشرعيّة. بعد ثورة فبراير لم يحدث فراغ في الشرعية الدستورية كما حدث في باقي الثورات العربيّة؛ صعد الرئيس الراحل منصور هادي إلى الرئاسة عبر استفتاء شعبي كانت نسبة المشاركة فيه لا تقل كثيرًا عن نسب المشاركة في الانتخابات الرئاسية التي سبقته، وتسلم المنصب في حفل رسمي من الرئيس السابق صالح وذلك كله وفقًا لاتفاق سياسي يمني بإشراف خليجي ومباركة الأمم المتحدة. أُتبع ذلك بعقد مؤتمر وطني شاركت فيه كل القوى الرئيسة في اليمن بما فيها الحزب الحاكم والحركة الحوثيّة. لهذا فاجتياح الحوثيّة صنعاء بمساعدة الرئيس السابق علي صالح كان على الأرض انقلابًا (وفي خطاب الحوثيّة ثورة شعبية) على ثورة فبراير، وعلى الشرعيّة الدستوريّة، وعلى التوافق بين القوى السياسية عام 2011 ولكنه رسميًا لم يعلن عن نفسه انقلابًا: لم يُطح بالرئيس وشُرعن الاجتياح سريعًا باتفاق السلم والشراكة معمّدًا من مبعوث الأمم المتحدة. ثم ما لبث تحالف الحوثية-علي صالح أن رسَّم انقلابه بإعلان دستوري في فبراير/ شباط 2015. حينها حدث فراغ في شرعية الحكم ولم يكن لدى الحوثيّة شيء تستمد منه شرعيتها إلا سلاحها الذي أخضعت به المدن والأرياف اليمنية التي اجتاحتها وتحالفها مع حزب قواعده رخوة ولكنها عريضة هو المؤتمر الشعبي العام. ولكن بعد إعلان السعودية عاصفة الحزم أصبح لدى الحوثيّة شيء من الشرعيّة الشعبية عند بعض القطاعات الاجتماعيّة التي رأت في الحرب عدوانًا على اليمن لا على تحالف الحوثي-صالح فحسب، وهذا أمر مهم يجب أخذه في الحسبان عند النظر في مسار الحركة الحوثيّة في السلطة. هذه الشرعيّة الجزئية المؤقتة بدورها اضمحلّت بعد هدنة 2022؛ بعد توقف جبهات القتال الرئيسة عادت الحوثيّة إلى مربع فبراير 2015 وبشروط أسوأ فيما يخص شرعيّة حكمها؛ حيث أنها كانت قد صفّت علي صالح ومعه بعض قيادات حزب المؤتمر الشعبي العام في ديسمبر/كانون الأول عام 2017؛ أي أنها أجهزت على حليفها الوحيد. وهكذا غداة هدنة 2022 كان الحوثي محتكرًا السلطة متمتعًا بها وحده وفي ذات الوقت بلا حلفاء وبدأ سؤال الشرعيّة أعنف في أثره عليه، لأن حالة حكمه الفريدة في التاريخ الحديث أضحت فاقعة عقب انقشاع غبار المعارك. ربما تكون الحوثيّة هي السلطة الوحيدة في العالم التي لا تدفع رواتب موظفي جهاز الدولة ومعاشات تقاعدهم. حدث ويحدث هذا في دول أخرى نتيجة حروب أو انهيار اقتصادي ولكنه استثنائي ومؤقت ومشفوع بمحاولات عجلى لتجاوز الأمر لأن ذلك هو أحد المعاني الأولية لوجود أي سلطة حديثة في الأصل. لكن في الحالة الحوثيّة الأمر مختلف؛ فقد استمر انقطاع الرواتب منذ سبتمبر/أيلول 2016 وحتى يومنا هذا، كما أن عمليات فرض وتحصيل الضرائب والجبايات والجمارك وجمع الزكوات بالقوة لم تتوقف سواء أقبل الهدنة أم بعدها، ولا يخفي الإعلام الحوثي فخره بكفاية الحركة في تحصيل الأموال وحيازتها موارد مالية كبيرة، كما لا تواري الشريحة الطفيليّة التي أنتجتها الحوثيّة نمط حياتها الفاره وسط أمواج من الشحاذين والعاطلين والجوعى في شوارع المدن ومراكز الأرياف. أضف لهذا أن مأسسة الحوثيّة للسوق السوداء علنًا توفر لها موارد مالية مختلفٌ على تقدير حجمها.

المتوقع من أي سلطة في ظروف الحوثيّة أن تسارع إلى خلق وتوسيع قواعدها الاجتماعية بصرف الرواتب وإنجاز مشاريع تنموية صغيرة، خاصة في مجتمع ذي نسب خصوبة عالية وبالتالي تتورّم فيه الطبقة المعدمة بمعدلات كبيرة، ولكن الحوثيّة تخبُّ السير في طريق معاكس؛ هي تركل بعنف ودأب الشرائح الاجتماعية التي ساندتها في البداية أو لم تعارضها على الأقل: سحقت المؤتمر الشعبي العام، وجوّعت جهاز الدولة، وأخضعت بالقوة طبقة كبار التُّجار، وتحرص على تذكير وجاهات الأرياف والبوادي مثل شيوخ القبائل وعلماء الدين بأنهم بلا دالة عليها وبلا حصانة ضد القمع والإذلال واستباحة الحُرُمات. ثم ها هي بإصرارها على رفض تغيير سياستها الاقتصادية (أو بالأحرى لا سياستها) تركل من تبقى مؤمنًا بأن الحوثيّة مارست تلك السياسة الاقتصادية الساحقة نتيجة الحرب.

تاريخيًا هذا سلوك نادر؛ حتى أضعف الأنظمة وأكثر المليشيات الحاكمة انغلاقًا تقيم أواصر بينها وبين شرائح سكانيّة ضمانًا لاستقرارها. هذا علاوة على أن الحوثيّة داخل محور المقاومة تمثل في علاقتها بالسكان استثناءً؛ النظام الإيراني لديه قواعد شعبية يحرص عليها خاصة في الأرياف، والمليشيات الطائفية العراقية كذلك تقيم علاقات محسوبية فاسدة مع شرائح اجتماعيّة، وحزب الله في لبنان يرعى اجتماعيًا عبر مؤسسات مختلفة ما يُسمى في البلاغة اللبنانية “بيئته” في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت.

أيديولوجيًا تقارب الحوثيّة مسألة الشرعيّة من منطلق الإمبراطوريات القديمة؛ أي بحق الفتح والتبرير الديني المنسوج ببعدٍ عرقيّ، من هنا يمكن أن نرى تطرّف الحوثيّة حتى داخل نطاق الحركات الإسلامية في العالم المعاصر. الحُكم الطائفي-العرقي واجب ديني والقبول به واجب ديني. خارج هذا الالتزام الفقهي الثنائي بين السلطة والسّكان لا وجود لمسألة الشرعيّة.

على المستوى العملي لم تمارس الحوثيّة السياسة؛ منذ نشوئها الرسمي هي تخوض الحروب وتتمرّس بها وتدرك قيمة العنف في العالم، ولكنها لم تعرف بعد معنى التحالف والمناورة وأخطار البقاء على رأس سلطة بلا قاعدة، هذا على عكس باقي حلفائها في المحور الذين دخلوا في معمعة السياسة والتحالفات في البرلمانات وتشكيل الحكومات فتشكّلت عندهم رؤية رثّة ولكن موجودة للتوازنات الاجتماعية اللازمة لبقائها في محيطها السكاني. هذا يتجلّى حتى داخل الحركة الحوثيّة نفسها؛ إلى اليوم لا يُعرف على التحقيق كيف يُصنع القرار داخل الحركة وكيف هو التنظيم السياسي داخلها، كما أن عائليّة قيادتها العليا وجهويّة أركانها تلفت النظر، بينما في كثير من الحركات الإسلاميّة المسلحة الأخرى مثل حزب الله أو حركة حماس نعرف أن بها مكاتب سياسية تدير الأمور وهي معروفة الأعضاء وتجري بداخلها مشاورات وتصويتات ويحكمها نظام داخلي ولوائح تنظيمية، ولا تلعب فيها الجهويّة أو أقارب وأصهار قادتها دورًا محوريًا في بناء وبنية الحركة.

تعوّض الحوثيّة غياب الخبرة السياسية باستحضار خبرات بائدة لسلفها التاريخي، وهي خبرة دولة الإمامة في اليمن الشمالي (1918-1962). الإشكال هنا أن دولة الإمامة كانت تقارب شرعية الحكم بالفتح والدين؛ دولة الإمامة لم تكن دولة متخلفة كما يصفها بعض الباحثين؛ هي لم تكن دولة حديثة في الأصل. رغم مرور العقود والسنوات لم تغيّر الحوثيّة كثيرًا في رؤية الإمامة الأصلية لمسألة الحكم في اليمن. الفارق أن الإمامة كانت مخلصة لعالمها الأيديولوجي؛ كانت ترفض الحداثة سواءٌ أفي مسألة الحكم أم في أدواته. بينما يتعاور الحوثيّةَ انفصامٌ يضريها؛ لا تعترف بمفهوم الدولة الحديثة ولكنها تستخدم أدواتها في ممارسة الحكم وإحكام الخناق على السكان.

من هنا نفهم لماذا مصرفا موارد الحوثيّة الرئيسين هما شراء السلاح والذخيرة وفعاليات الأدلجة والتطييف (مخيمات صيفية للأطفال، دورات ثقافية للموظفين والطلاب والمعلمين، الاحتفال بالمناسبات الطائفية)؛ هما ليسا إلا صرفًا على تصليب “الشرعيّة” من منظار الحركة الحوثيّة. بعيدًا عن الأحكام القيمية ليس لهذا الفهم الغابر للشرعيّة مستقبل في العموم، وفي اليمن على وجه الخصوص. عمليّات الأدلجة والتطييف مثلًا تُوسع خزّان المقاتلين، ولكنها لا تخلق قواعد اجتماعيّة، كما أن اليمن تعرف هويّات مناطقيّة راسخة ولكن مجتمعها ليس طائفيًا وبالتالي لا يستطيع الحوثي ادعاء تمثيل طائفة ولا يقدر أيضًا على إعادة تطييف الزيديّة نحو نسخة أكثر تشيُّعًا رغم محاولاته الحثيثة. ولأن الحوثيّة توسعيّة فهي أدخلت تحت سلطتها ملايين السكان بتنوّعات هويّاتيّة تثلّم محاولات الأدلجة من أعلى. الأمر في اليمن مختلف عن حزب الله مثلًا الذي فعل الكثير كي يبني حاضنته ولكن في بيئة طائفيّة عامة وجاهزة وداخل أجزاء محدودة من بلد صغير.

أضف إلى ذلك أن الحوثيّة ورثت من علي صالح جهاز دولة رثًا لا يطيق الوصول إلى المواطنين الأفراد والسيطرة عليهم؛ أي أن في ثقافتها بعدٌ فاشيّ ولكن أدوات الفاشيّة الناجعة ليست في متناولها، والحوثيّة لا تستطيع رفع كفاية البيروقراطية خدمةً لأيديولوجيتها بدون أن تحدّث البلاد وباقي المؤسسات الاجتماعيّة وهي ليست في وارد ذلك أيديولوجيًا ولا تقدر عليه اقتصاديًا. كما أن حركات ذات أنظمة حديثة وأيديولوجيات تقدميّة وقواعد شعبية وحلفاء حول العالم واقتصادات أضخم بكثير من اقتصاد الحوثيّة حاولت أدلجة المجتمع على أمل أن تخلق بذلك قواعد شعبية ولكن ذلك لم يمنعها من الانقراض.

-3-

للسلاح الحوثي أزماته أيضًا. لم يحمِ السلاح وحده سلطةً حديثة قط. مهما كان النظام بشعًا وطاغوتيًا فإن ما يبقيه متماسكًا كان سياساته الاجتماعيّة وليس المعتقلات والترهيب فقط، فالسلاح محدود اجتماعيًا وليس مُطلق الفاعليّة مهما بدى العنف خلّابًا.

في الحالة الحوثيّة إشكالٌ إضافي وهو أن السلاح يئن تحت ضغط أضلاع مثلث الأيديولوجيا والموقع الداخلي والدور الاستراتيجي. أغلب جيوش العالم، حتى جيوش الدول العظمى، يرضخ لقسوة الواقع وإكراهات تصوراته الاستراتيجيّة في تعيين أولويات التسليح؛ أمور مثل المساحة الجغرافية والوزن الديمغرافي وطول السواحل تحدد تركيز الدول على توجيه التسليح والتدريب نحو قطاع محدد مثل القوات البرية أو الأساطيل أو تطوير المقاتلات، وهذا يعني بالضرورة أن ثمة دومًا نقاط ضعف في التسليح لأن الموارد تُكرّس في جوانب محددة. أيضًا مستوى الموارد البشرية والمادية مضفورًا بإمكانيات العدو يحددان التفكير بالسلاح: إيران مثلًا مواردها البشرية جيّدة ومساحتها كبيرة ولكنها اقتصاديًا ضعيفة وعدوها الاستراتيجي (إسرائيل) بوزن ديمغرافي وجغرافي ضئيل ولكن بموارد بشرية ومالية وسياسية كبيرة دفعته لكي يطور الطيران الحربي الهجومي والمخابرات وتقنيات الحرب السيبرانيّة؛ فكان حل إيران تكثيف التطوير في الصواريخ الباليستية والمسيرات وتضخيم القوات البريّة لمواجهة عدوّها وفرض سلطتها على الخليج العربي الذي تراه مجال نفوذها الطبيعي. نتيجة هذا أنها أضحت ضعيفة ضعفًا جليًا في الدفاع الجوي والطيران الحربي وسلاح البحرية. هذا مثالٌ لتوضيح الفكرة والأمثلة شرقًا وغربًا كثيرة. في الحالة الحوثيّة الأمر أكثر خطورة فهي أقل تطورًا وتجذرًا ومواردًا من دول قومية، كما أن قائمة أعدائها طويلة؛ باستثناء إيران ومحور المقاومة يعادي الحوثي علنًا الجميع: كل الأحزاب اليمنية والحكومة الشرعية اليمنية والسعوديّة والولايات المتحدة وإسرائيل والمنظمات الدولية والأمم المتحدة. هذا التصور الاستراتيجي عند الحوثيّة مجدّلًا بالدور الحوثي في الاستراتيجية الإيرانية الملخص في تهديد الخليج العربي وخنق جنوب البحر الأحمر دفعها نحو الاهتمام أكثر بتطوير المسيرات والتركيز على الصواريخ بعيدة المدى لتتصدى لأعدائها وتؤدي دورها في محور المقاومة. المشكلة هنا أن الحوثيّة لديها صراع آخر لم يُحسَم وهو صراعها العسكري في داخل اليمن. كما أشرتُ أعلاه؛ كل أعداء الحوثية اليمنيُّون يطبقون عليها، وجميعهم لديه العدد والعتاد ولا ينقصه الباعث على القتال، وإن كان عتاده أقل مما لدى الحوثيّة، ولكن ضعف العتاد يمكن تعويضه بامتيازات أخرى أو بالتحصل على عتاد معقول في ظروف معينة. في هذا الصراع لا تنفع الصواريخ فرط الصوتية كثيرًا كما تُجدي في الحرب ضد المملكة السعوديّة أو التحكم في الملاحة جنوب البحر الأحمر، والحوثيّة بتركيزها المتعاظم على دورها الإقليمي وأعدائها الخارجيين بدون أن تسكّن أولًا جبهات الصراع اليمني سياسيًا أو تسحقها عسكريًا_ تسلك مسلكًا سياسيًا نادرًا.

جيوش جرارة تتجنّب القتال على أكثر من جبهة بينما الحوثيّة لا تتهيب حدوث ذلك كأنها لا تدرك هشاشة شروط وجودها، وأعتقد أنها فعلًا لا ترى ذلك نتيجة خبرتها في الحرب ضد أعدائها وإيمانها الديني بالنصر الإلهي الذي يحفّها وينافح عن حياضها. لا يوجد تفسير مقنع آخر لتصور عسكري على هذا القدر من الاستخفاف لأن قوة الحوثيّة الواقعية -التي لا نعرف عنها كفاية- مهما بلغت لن تمكّنها من النجاح في مواجهة ثلاث أو أربع جبهات عنيدة موحّدة القرار عالية التنسيق تُفتَح ضربة واحدة، ولأن سلاحها منهكٌ مسبقًا تحت وطأة واقعها الجيوسياسي الخطير.

دول عظمى لا يشغلها إلا تقصير قائمة الأعداء وإطالة قائمة الأصدقاء تعظيمًا لفاعليّة مؤسساتها وسلاحها وتجنبًا لعيوب عتادها حين تأزف ساعة الصراع، بينما الحوثيّة بلا أصدقاء خارج دائرة حلفاء إيران، وهي في الداخل بلا حلفاء لأن تعريف السلطة في خيالها هو في الأصل أن يكون الحكم بلا حلفاء فهو واجب ديني مُلقى على كاهل طرف واحد تصادف أن يكون هو الحركة الحوثيّة؛ التزمّت الأيديولوجي عندها يجرف أي تفكير تاريخي بمسألة الحُكم.

-4-

الجغرافيا معقِدُ مسألتي السلاح والشرعية. جغرافيا اليمن الشرسة في مواجهة ضربات الطيران مثلًا عامل تصليب عند الحوثيّة، ولكنها هي ذاتها مقتلُ الحوثيّة في مواجهة أعدائها اليمنيين. حتى البلدان التي لا تعرف مرتفعات أو مفازات لا تُحكَم بالسلاح فعلًا؛ فلا سلاح يكفي لضبط ملايين البشر في مساحات شاسعة، بل تحكم بهيبة السلاح، وهيبة السلاح لا تَصدُر منه وحده بل من شرعيّة الطرف الذي يحمله؛ أي مدى إقتناع البشر الذين يسكنون الجغرافيا بأهلية حامل السلاح، أو من يأسهم من القدرة عليه. ماذا يحدث إذن إذا أحست قطاعات شعبية عريضة باغترابها عن السلطة كأنها قوة احتلال، وتجاوزت يأسها من كسر السلطة؟ تحدث المقاومة المسلحة وحاضنتها الشعبية جاهزة سلفًا. حدث هذا في بلاد غير معقدة الجغرافيا مثل فلسطين والعراق في مواجهة أعتى التقنيات وأكفأ الجيوش في العالم، وحدث في سوريّة وليبيا في مواجهة أنظمة تحكم عقودًا، بل وحدث في اليمن نفسها أيام حروب الجبهة في المناطق الوسطى في السبعينيات والثمانينيات.. فكيف الأمر باليمن الآن وفي وجه الحوثيّة التي لم يعرف الناس لها إلا أطوار الحرب؟! كاتب المقالة كان يرى ولا يزال أن الحوثيّة استمرت رغم مقاتِلها لأنها راسخة الأولويّات بينما لا أحد من أعدائها قرر إصابتها فأولويّاتهم كانت مختلفة وظروفهم أيضًا كانت متباينة، وليس لأن الحوثيّة ممنوعة من الكسر. مثلا استغلال أزمة الشرعية عند الحوثيّة التي خلقها ويغذيها الحوثيّون أنفسهم تبرّعًا يكون بتشكيل مقاومة مسلحة داخل مناطق الحوثيّة، ولكن عملًا مثل هذا يحتاج سياسة واضحة ورؤية استراتيجية وقرارًا مركزيًا موحدًا يوجّه الجهود ويطور أجهزة الدولة الاستخبارية والعسكرية لتنفيذه ومتابعته. والجغرافيا التي تصلب الحوثيّة تصبح حينها موضع نزيف، والسكّان الذين كانوا مجرّد خزّان بشري للمقاتلين ومصدرًا للأموال يتحوّلون إلى شرخ استخباري لا يمكن التعافي منه. مرة أخرى أسلحة الحوثيّة وعوامل صلابتها العسكرية لا تستطيع خدمتها دائمًا لأن تعقُّد أدوارها وتضارب واقعيها الداخلي والخارجي وتفاعل ما تراه مع ما يراه حليفها وداعمها الأول يقدح حروبًا مختلفة المضامير.

الاعتماد الحصري على السلاح والركون إلى الجغرافيا يخدمانها في حربٍ ولكنهما قد ينهكانها في حربٍ أخرى، إن ظهر من يريد ويحرص على هزيمتها لأنها أولويّته.

-5-

باستحضار التحليل الآنف يمكن القول إن الحوثيّة منذ 2022 تهرول في طريق الإفناء الذاتي بدون كوابح؛ إنها مثال نموذجي لفكرة الانتحار الجماعي عند حركة أيديولوجية، ولكن بأي معنى؟ المقصود هنا هو عكس المعلوك منذ سنين في أفواه بعض المراهنين على أن الحوثيّة ستكفي خصومها عناء ودماء الإجهاز عليها لأن خلافاتها الداخلية ستفتك بها، بل وكانت ولا تزال تُختَرع الأخبار عن الشقاق داخل الحوثيّة مما سيفضي إلى تداعيها آخر الأمر. هذا استيهام وليس تحليلًا؛ أي أنه سلوك نفسي يحتاج هو نفسه إلى تحليل دلالاته في الثقافة السياسيّة عند أعداء الحوثيّة اليمنيين. حتى الرهانات من ذات الشاكلة التي استندت إلى معلومات صحيحة كانت فاشلة الاستنتاج فخسرت واستأدت أصحابها واليمن ثمنًا غاليًا. بعد الإعلان عن عاصفة الحزم كانت الأخبار والتحليلات لا تتوقف عن الصراع المكتوم بين صالح والحوثيّة، وأنها مسألة وقت حتى يبدأ الطرفان في محاولة كسر بعضهما وبالتالي ما علينا إلا الانتظار. حدث ذلك فعلًا ولكن خرجت الحوثيّة من الصراع منتصرة ومحتكرة للسلطة تمامًا، وصار أصعب على أعدائها التفاهم معها، لأنها خرجت من ذلك الصراع أكثر تطرفًا وإيمانًا بما تحسبه استثنائيتها التاريخية.

إن المقصود هو ضد ذلك؛ مأزق الحوثيّة وتناقضها المُهلك هو أنها تسقي بذرة فنائها تطوّعًا بتجرّدها المثابر من كل عوامل البقاء لأي سلطة في العالم الحديث، وذلك عن التزام أيديولوجي وفهم لتجاربها، ولكن اضمحلال عوامل بقائها لا يعني أنها ستنتهي من تلقاء ذاتها. الموت السياسي ليس صنو الموت العضوي؛ يمكن لسلطة ماتت تاريخيًا أن تواصل وجودها سنوات عديدة بل وبضراوة. السلطة التي فقدت عوامل البقاء تتوقّف عن الوجود إثر صراع، هائل أو بسيط، مع أعداءٍ إما يفهمون مأزقها بشكل أو بآخر ويستغلّونه، وإما تخلقهم وتقذف بهم تحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة معينة إلى مجابهتها والإصرار على تغييرها.

وجود الحوثيّة ظرفيّ ومشكوك في أمره، وانتهاءها على يد أعدائها في يومٍ ما سيكون نتيجة منطقيّة (وليست حتمية) لمقدمات مأزقها الذي خلقته وحبست نفسها فيه.

-6-

بعد هذا التحليل تبقى في مسيرة الحوثية محطة أخيرة.

لنعد إلى الجزء الثاني من النقاش. الحوثيّة ترفض مفهوم الشرعيّة؛ أي اتخاذ قبول قطاعات معتبرة من الشعب اليمني بالسلطة الحوثيّة أساسًا لاستقرار الحكم. عدم الركون إلى شرعيّة شعبيّة ليس أمرًا نادرًا خاصة في هذه البقعة من العالم، وكثيرة هي الأنظمة والسلطات الرثّة التي تحتقر وتنكّل وتسحق وتكدّح مجتمعاتها، ولكنها لا تعادي فكرة الشرعيّة ولا تقدّم بديلًا عنها. قد تبني تحالفات اجتماعيّة ضيّقة ومفجّرة للمجتمع كأن تستند إلى أقليّات أو أكثريّة على أساس إثني أو ديني أو جهوي، وقد تحالف شرائح محدودة مثل رأس المال أو تتخذ من البيروقراطيّة وجيوش الموظفين قاعدة الشعبيّة_ قد تفعل كل تلك الفظائع وتعضّدها بأفكار وتنظيرات، ولكنها لا تتخيل نفسها مكتفية بذاتها تمامًا، وذلك لسببٍ بسيط، وهو أن الدولة في الحداثة تقوم على افتراض وجود شعب، وبدونه لا يكون هناك نظام حكمٍ في الأصل.

يقترن برفض الحوثيّة لفكرة الشرعيّة أمر آخر، وهو أنها ليست ملتزمة بشيء أمام المجتمع الذي تحكمه، وهذا بدوره أمرٌ يصعُب تخيُّله في عالم الدولة الحديثة. حتى الاستعمار وقوات الاحتلال عليها التزامات تجاه الشعوب التي تحتلها وهذه بدهيات في القانون والسياسة، بل إن التراث الغزير لخطاب الاستعمار كان يسوّغ الاحتلال بدعوى التزامات تجاه الشعوب “الهمجية” التي استباحها مثل التنمية والتنوير والتمدين والتحديث. هذا ما يميز الحُكم في الحداثة من عهد الإمبراطوريّة: الواجب الاجتماعي يؤسس منطق وجود السلطة، حتى سلطة الاحتلال. طبعًا الالتزام بذلك من عدمه ليس هو النقاش هنا. ما يسمعه الناس من تصريحات صادمة على لسان بعض المسؤولين الحوثيين عن انتشار الجوع وانقطاع الرواتب مثل (ما يخلق المعدوم إلا الله) و (اخرج اقصد الله بلاش) وما شاكل، ليست صادرة في المقام الأول عن عطبٍ أخلاقي؛ إنها تعبير أمين عن رؤية الأيديولوجية الحوثيّة لمسألة الحكم. دفع رواتب الموظفين مثلًا ليس واجب السلطة، ومعالجة جوع الملايين أيضًا ليس أولويّة الحكم لأنها في الأصل ليست ذات صلة بالموضوع. أغلب حركات الإسلام السياسي لديه تبرير ديني للحُكم، وثمة بُعدٌ غيبي أخروي في واجبات الحكم عنده، وهذا فهمٌ يشرخ المجتمع ويهدد الدولة ولا يقود إلا للفشل الوخيم، ولكن تلك الحركات أيضًا لا ترفض فكرة التحالفات السياسية وتعرف أن عليها واجبات “دنيويّة” تجاه من تحكمهم؛ من المهم ان نتذكر أن حركة إسلامية منغلقة وشديدة الرجعيّة مثل طالبان في أفغانستان تفعل كل ما يمكنها لدفع رواتب الموظفين مثلًا. ربما لم يفهم طرفٌ إسلامي السلطة على الطريقة الحوثيّة مثل داعش.

المعتقلات والإذلال وحصار المدن والتجويع والعنصرية والطائفية ومأزقها الذي حاولت المقالة تبيبنه في أجزائها المختلفة_ كل هذا يذرّر وجود الحوثية ويرجّح نهايتها في لحظة الصراع الكبير، ولكنه لا يضعها في أفق المستحيل. مستقبل الحوثيّة مستحيل لأنها عاجزة أيديولوجيًا عن أن تكون سلطةً على شعب. والحل الوحيد أمامها لمعضلتها هو أن يُحل الشعب اليمني إلى عناصره الأوليّة (قرى وعائلات كبيرة وقبائل)، أي أن يرجع الزمن إلى الوراء، وأن تكون اليمن في ركن قصي معتم من الخريطة. في ذلك العالم المستحيل الذي يتحرك فيه المكان وينعكس فيه الزمان ستكون الأيديولوجية الحوثيّة قادرة على تحقيق ذاتها.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img