“صحيفة الثوري” – (رأي):
نبيل غالب
بعد قرابة 12 عاماً من الحرب، جاء إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، استئناف تصدير النفط كخبر لم يكن يتوقعه المواطن المطحون. فهو ليس مجرد قرار اقتصادي، بل لحظة فاصلة في تاريخ معاناة بلد أنهكته الحرب واستنزفته المليشيات.
في بيان موجّه إلى الشعب، أكد الرئيس أن عائدات النفط سيتم توجيهها مباشرة “لخدمة المواطنين في جميع أنحاء البلاد، وفي مقدمة ذلك الوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة، وصرف الرواتب، وتحسين الخدمات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي”. هذه الجملة وحدها تحمل معنى كبيراً: أن ثروات اليمن ستعود إلى اليمنيين جميعاً، “لا أن تبقى رهينة لمغامرات المليشيات وابتزازها”. وبذلك كسرت الدولة معادلة التجويع التي فُرضت طوال سنوات الحرب.
منذ انقلاب المليشيات الحوثية، تحولت موانئ التصدير ومنشآت النفط إلى ورقة سياسية وعسكرية. توقف التصدير، فتوقفت المرتبات، وانهار الريال، واختفت الخدمات، وتحول المواطن إلى رقم في قوائم الإغاثة. واليوم يعود النفط، ومعه يعود الأمل، ولو كان هشاً، بأن الدولة قادرة على استعادة سيادتها على مواردها وتحويلها إلى حياة حقيقية للناس.
الأثر المتوقع لهذا القرار مباشر وحيوي. أولاً، على مستوى الرواتب التي تمثل الجرح الأكبر؛ فعودة ضخ الدولار إلى البنك المركزي عبر صادرات النفط تعني إمكانية انتظام صرف مرتبات الموظفين في مختلف المحافظات، وهذا وحده سيحرك السوق ويعيد بعضاً من الدورة الاقتصادية. ثانياً، على مستوى الخدمات والأسعار؛ فالكهرباء والوقود والصحة والتعليم كلها مرتبطة بسعر الصرف، واستئناف التصدير سيمنح الحكومة أدوات لتثبيت العملة وخفض الأسعار التي طحنَت الناس. ثالثاً، على المستوى النفسي؛ فسماع المواطن أن “النفط عاد من أجل الناس” يعيد له الثقة المفقودة، ويمنحه إحساساً بأن الدولة بدأت تستعيد عافيتها.
لكن الرئيس العليمي لم يفصل الاقتصاد عن السياسة، فقد ربط إعلان النفط مباشرة بدعوته إلى “الالتفاف حول مشروع الدولة، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب”. فالنفط هنا ليس سلعة فقط، بل أداة سيادة. وهو رسالة للداخل بأن الدولة ستخدم الناس، ورسالة للخارج بأن أي سلام قادم يجب أن يمر عبر مؤسسات الشرعية. كما أن الإعلان جاء بعد الدعم الأخوي من المملكة للموازنة العامة، ما يعطي هذا التوجه زخماً حقيقياً وفرصة للتعافي لم تتوفر من قبل.
ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن. فالتحدي الأول أمني: حماية الحقول والأنابيب والموانئ من الاستهداف. والتحدي الثاني إداري ومالي: تحقيق الشفافية الكاملة في إدارة العائدات حتى لا تذهب في متاهات الفساد. أما التحدي الثالث، وهو الأهم، فهو السرعة؛ إذ يجب أن تُترجم عبارة “ابتداءً من اليوم” خلال أسابيع إلى مرتبات في البنوك، وكهرباء مستقرة، وخدمات تلمسها الأسرة اليمنية في حياتها اليومية، وإلا تحول البيان إلى وعد آخر مؤجل.
وكان الرئيس صريحاً حين قال إن “المأساة التي يعيشها اليمنيون لم تكن قدراً محتوماً، وإنما نتيجة مباشرة لانقلاب المليشيات”. واليوم، وبعودة النفط، تريد الدولة أن تثبت العكس؛ أن تثبت أن المعاناة يمكن أن تنتهي، وأن الحياة يمكن أن تعود إذا عادت الدولة.
النفط وحده لن يحل كل شيء؛ فالبنية التحتية مدمرة، والفساد متجذر، والحرب لم تنتهِ. لكنه بلا شك يمثل البداية؛ بداية لانتقال من “دولة تعيش على المساعدات” إلى “دولة تنتج وتخدم”. والكرة الآن ليست في ملعب الحكومة وحدها، بل في ملعب الجميع؛ في وعي المواطن، وفي التفاف القبائل والقوى الوطنية حول مشروع الدولة، كما دعا الرئيس.
النفط عاد. فهل تعود معه الحياة؟ هذا هو السؤال الذي سيجيب عنه الأداء في الأيام القادمة. فالمواطن الذي صبر 12 عاماً لم تعد لديه رفاهية الانتظار.

