اسعد محمد عمر
مع اختتام رحلتنا لسور الصين العظيم الذي سيبقى شاهداً حياً على إرادة الأمة الصينية وقدرتها على الصبر وبينما كنا نتحدث عن انطباعاتنا عن زيارتنا لهذا البلد الكبير قال لنا الصديق الصيني وفي لون الذي كان يرافقنا و يتولى الترجمة الى جانب الرفيقة ليو جيا لين (أن الصين في أربعينيات القرن الماضي كانت تعيش ظروفاً أشبه بما تمر به اليمن اليوم حرب أهلية، فقر، أميّة، سلاح منتشر في كل مكان، وتدخل خارجي) و أضاف (كانت بدايات حزبكم الاشتراكي اليمني في قيادة جنوب اليمن تتقارب مع الحزب الشيوعي الصيني في بداياته الفارق أن الشيوعيين الصينيين عبروا تلك المرحلة وهاهي الصين اليوم تتربع مكانة دولية مرموقة حتى أصبحت تشكل ثاني أكبر اقتصاد في العالم) مستشهداً بعبارة الزعيم الصيني ينغ شياو بينغ عن التحول من “الإرادة الثورية الأيديولوجية” التي هيمنت خلال الثورة الثقافية إلى “الإرادة البراغماتية نحو التنمية وبناء القوة الشاملة” و اختتم حديثه بالإشارة لدور الزعيم شي جين بينغ لجعل الصين في مستوى المواكبة لتحديات العصر الحديث وأدواته.
كان وقع كلمات الصديق الصيني قوياً كالبرق واصل للأعماق فما حدث في الصين لم يأتي بمعجزة بل بإصرار وإرادة لشعب وقيادة ما جعلني أغوص في دائرة تفكير عميق لأستعيد مشاهد الزيارة للصين منذ بدايتها حتى نهايتها كمن يستحضر مشاهد حياته قبل فياض الروح .
لقد كنت أنظر في وجه صديقي المترجم و أستذكر جميع من شاهدتهم وقابلتهم خلال الزيارة في بكين الى مينينيغ الى شيأن وشيأنيانغ وجوه مثلت كامل الجغرافيا الصينية بما تعكسه من امتداد و تنوع .
وسط كل كذلك استحضرني اللقاء بمعالي سون يياهان نائب وزير دائرة العلاقات الخارجية بالحزب الشيوعي الصيني صاحبة الوجه الذي لا يُنسى بما تجسد في حضورها من لغة الروح الصافية التي تنشر الدفء و تشع بالأمل، نور فريد يجمع بين الوقار الساحر و الحكمة وبهاء البشاشة والابتسامة الواثقة والدبلوماسية العالية والصوت الهادئ الذي يعكس ثقل الدولة ومكانتها وبما تلا ذلك من لقاءات و أعمال تباحث و زيارات ميدانية .
كنت أفكر في كل ما سمعت طيلة وجودي بالصين وأنا أشاهد رأي العين عظمة الإنجازات والتحولات التي شهدتها الصين في وقت وجيز لألتمس ما يمكن استلهامه كدروس وعبر من روح التجربة الصينية لا “التفاصيل” على أمل الاستفادة منها في نضالنا اليوم تجاه مستقبل اليمن والتي يمكن استخلاصها بما يلي:
• الدرس الأول: شرعية الحكم تنبع من تحقيق الاستقرار بالتنمية و توفير الخدمات العامة:
حيث جعلت القيادة الحزبية و السياسية في الصين لمسألة الاستقرار السياسي والاجتماعي وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين محور ارتكاز للنهضة بل وعدًت هذا الأمر بأنه من أولويات حقوق المواطنة وتجنب الدخول في مضمار الفكر الديمقراطي لدول الغرب وبناء نموذج حكم صيني خاص يقوم على التدرج و الكفاءة وتفادي الوقوع بما اعتبره الصينيون بالخطأ القاتل للسوفيت الذي تمثل في البدء بالإصلاح السياسي والانفتاح الديمقراطي الفوضوي (البيرسترويكا والغلادنوست) قبل تحقيق الاستقرار الاقتصادي إذ استحكم الحزب الشيوعي بكامل مقاليد أمور البلاد بيده في سبيل الدفع نحو تحقيق الاستقرار بتوفير الخدمات العامة و التنمية باتباع نهج الخطط الخمسية الاستراتيجية التي تضمن استمرارية المشاريع وتوجيه الإستثمارات نحو القطاعات ذات الأولوية فبالنسبة للصينين فإن بلد بحجم قارة وبامتدادات عرقية وجغرافية يحتاج إلى سلطة مركزية قوية تمنع النزاعات والانقسامات الداخلية التي قد تعطل قطار الإقتصاد والتصنيع وإدارة البلاد بعيداً عن الشعارات الانتخابية الديمقراطية كاملة العمليات وهو المفهوم الذي تروج له الصين حديثاً، ويقوم على فكرة الاستشارة الشعبية الواسعة وجمع البيانات واستطلاعات الرأي قبل اتخاذ القرارات السياسية، بحيث يشارك المواطنون في صياغة السياسات دون الحاجة لصراعات سياسية او حزبية.
• الدرس الثاني: الإصلاح المتوازي و مكافحة الفقر :
يرتكز مفهوم الإصلاح المتوازي المتدرج في الصين على مبدأ التجريب الموضعي والتحول متعدد المسارات، بدلاً من “الإصلاح الشامل الفوري” أو الصدمة الفجائية التي دُمرت بسببها اقتصادات أخرى كالاتحاد السوفيتي.
وتتلخص فلسفة هذا النهج في المقولة الصينية الشهيرة لدينغ شياو بينغ: “عبور النهر عبر تلمس الحجارة”، والتي تعني التقدم خطوة بخطوة واختبار نجاح كل مرحلة قبل تعميمها و كما هي المشجرات الطبيعية التي تنتشر في شعاب ووديان الصين كلوحة مرسومة بدقة متناهية تم وضع خطط اصلاحية استراتيجية دقيقة و محكمة لإنهاء الفقر ومكافحة الفساد .
و هو ما ادى تحسين إنتاجية العمل الزراعي، وتسهيل انتقال العمالة من الزراعة إلى قطاعات التصنيع والخدمات ذات الإنتاجية الأعلى، ورفع إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية إلى جانب زيادة دخل المزارعين و إتاحة فائض العمالة لقطاعات أخرى والمناطق الحضرية، مما أدى إلى تنويع مصادر ذوي الدخل المحدود والاسر الفقيرة .
• الدرس الثالث: مسار جديد للاشتراكية بخصائص صينية :
حيث عملت القيادات المتعاقبة للصين على تطوير الجانب النظري للفكر الاشتراكي الذي يحكم الأيدلوجيا الحزبية بطابع وطني يراعي خصوصية المجتمع الصيني عبر الجمع بين الأصل الماركسي والواقع الاجتماعي والاقتصادي للصين الأمر الذي فتح المجال لتطوير النهج الأيدلوجي بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية بما يتناسب مع احتياج الشعب للتنمية والتحديث والتكامل ووضع رؤى وخطط استراتيجية لإدارة الدولة الصينية، في إطار تجربة جديدة مستقاة من تاريخ هذا البلد وإرثه الثقافي وحاجته لمواكبة العصر الحديث وكما يتأكد فإن مسار التحديث الاشتراكي الصيني سيمتد لتحديث الرأسمالية و دولها التي باتت تضيق من سيطرة الشركات الكبرى على مفاصل القرار داخل مؤسساتها و التدخلات المباشرة و غير المباشرة في إدارة السلطات الحاكمة وتوجهاتها وبما تفرضه متطلبات استقرارها من إجراءات لتطوير نظم التأمين الاجتماعي و الشراكة العادلة لأبنائها و أحكام إدارة التنمية عبر الدولة .
• الدرس الرابع: الاستثمار الهائل في بناء الإنسان :
حيث اتضح من التجربة الصينية مدى إدراك أهمية العمل على بناء مهارات وقدرات المواطن الصيني واستيعاب الكثافة السكانية من خلال العلم و التعليم بفرض نظام التعليم الإلزامي الصارم لمدة 9 سنوات الذي تم توسعته تدريجياً ليصل إلى 12 عاماً و القضاء على الأمية و اعتماد الإصلاحات الحديثة على المدارس الثانوية في الأرياف والمحافظات النائية لتوفير تعليم عالي الجودة للطلاب الفقراء لمرحلة رياض الأطفال و زيادة الدعم المالي لتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل الأسر و ربط مخرجات التعليم بسوق العمل بإنشاء أضخم شبكة للمعاهد الفنية والمهنية في العالم لتأهيل ملايين الفنيين المهرة القادرين على تشغيل وإدارة المصانع وإلزام الدولة للشركات والمصانع الكبرى على إبرام شراكات مع المؤسسات التعليمية، بحيث يتدرب الطلاب في خطوط الإنتاج الحقيقية، لتتماشى المناهج مع التطور التكنولوجي المعاصر لدفع الجامعات الصينية الكبرى إلى صدارة التصنيفات العالمية المنافسة للجامعات الغربية النموذجية وتوجيه الدعم الأكبر لتخصصات العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، والرياضيات، إلى جانب علوم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والروبوتات وغرس قيم الولاء الوطني و الانضباط الصارم والعمل الجماعي بالتوازي مع الاهتمام باللياقة البدنية والصحة العامة للأجيال الناشئة و إنشاء شبكة أمان صحي واجتماعي شاملة تضمن نمواً متوازناً للفرد وتزيد من إنتاجيته وقدرته التنافسية .
• الدرس الخامس: الوحدة الوطنية للصين خط أحمر:
تعتبر الصين أن مبدأ صين واحدة يحظى بتوافق عام واعتراف واسع في العلاقات الدولية هو الأساس السياسي والدبلوماسي للتعامل معها حيث تصر الصين على أن يبقى التنين الصيني ملتفاً بكامل الخارطة الصينية ومحكما لها بحمايته دون تفريط بأي جزء مهما كان الثمن و بالذات منها تايوان التي لايمكن لها إلا أن تبقى جزء لا يتجزأ من أراضيها، وأن حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الممثل الشرعي الوحيد والتعامل بشكل حازم لمنع أي محاولات لانفصال تايوان حيث تصف بكين هذه القضية بأنها الخطر الاكبر الذي يتهدد علاقاتها على المستوى الدولي خاصة مع الولايات المتحدة الامريكية .
• الدرس السادس : التمدد و الانتشار بالمبادرات الإنسانية العالمية :
حيث وضعت بكين إطاراً استراتيجيا ناظما للتمدد الإيجابي والانتشار خارج سورها التاريخي العظيم بالانفتاح عالمياً بناء على الشراكة لا الهيمنة وبالمصالح المتبادلة لا التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهذا ما حظي بقبول متزايد لدى العديد من الدول الباحثة عن توسعة علاقاتها الدولية وتنويعها وباعتماد جمهورية الصين الشعبية لسياسة الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي لتعزيز مصالحها وإرساء نظام متعدد الأقطاب.
و قد أطلق الزعيم الصيني شي جي بنج في سبيله عدد من المبادرات تمثلت في مبادرة الحزام والطريق التي تُعد الأداة الرئيسية لتوسيع النفوذ عبر الاستثمار في البنية التحتية، والموانئ، والطرق التجارية لربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. و مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، و مبادرة الحوكمة العالمية التي تم اطلاقها مؤخراً في بدايات شهر يوليو من العام الحالي ٢٠٢٦م .
*عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني .



