“صحيفة الثوري” – (رأي):
أحمد حرمل
في زخم التحولات السياسية التي شهدها الجنوب عقب حرب 94 العدوانية الظالمة، وتحت سماء ملبدة بدخان البارود وضجيج الهتافات، كانت مدينة الضالع مسرحًا لصراع وجودي تجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى أفق أوسع من المناورة السياسية والذكاء الجماعي.
في الضالع، حيث كان تناغم الصوت والطلقة ينسج ملامح مرحلة استثنائية، لم تكن سنوات (1997-2001) مجرد فصل من فصول القمع والعسكرة، بل كانت مشتلاً لتجربة نضالية فريدة، جمعت بين الاحتجاج السلمي في الساحات والعمليات العسكرية في الجبال، في مشهد عكس تعقيدات المرحلة ووعي قياداتها بطبيعة المعركة.
وفي ظل مراقبة لصيقة ومخبرين يحصون الأنفاس، تأسس تيار نضالي جديد لم يكتفِ بمواجهة الآلة الأمنية بالعنف، بل راهن على لعبة ذكية قوامها التضليل الإعلامي، وقلب المعادلات، وتحويل أدوات الرقابة إلى سلم يرتقي عليه النشطاء نحو استراتيجيات هجومية لم تخطر ببال المتربصين.
كان شتاء مدينة الضالع في أكتوبر 1999 يشبه قدرًا يغلي فوق نار لا تهدأ.
المدينة الصغيرة التي اعتادت الهدوء والسكينة من حولها، وجدت نفسها فجأة وسط ضجيج لا ينطفئ.
في النهار كانت الشوارع تمتلئ بالهتافات، وفي الليل كانت الجبال تشتعل بنيران الاشتباكات.
كل شيء كان يتحرك، وكل شيء كان يتغير.
اللجنة الشعبية تقود احتجاجات واسعة تارة، وفرع مجلس تنسيق الأحزاب تارة أخرى، ويكاد صوتها يعلو كل يوم، مطالبة بإنهاء عسكرة الحياة المدنية ومحاكمة من أطلق الرصاص والقنابل على المتظاهرين، فيما كان الوجه الآخر المتمثل بحركة تقرير المصير “حتم” له مطالب وأدوات أخرى.
سقط قتلى، واعتُقل العشرات، وأصبحت قيادات الحزب الاشتراكي واللجنة الشعبية هدفًا للملاحقة والمراقبة.
وفي الوقت نفسه، كانت حركة تقرير المصير “حتم”، التي كان يقودها عيدروس الزبيدي، تنفذ عمليات عسكرية جريئة، تهاجم مواقع اللواء خمسة وثلاثين مدرع في الجبال والتباب المطلة على المدينة وفي محيطها.
كانت الضالع تعيش بين نارين؛ احتجاج في الأسفل واشتباك في الأعلى، فيما كانت السلطات الأمنية والعسكرية تتعامل مع المتظاهرين السلميين بقسوة، كونها كانت تدرك أن اللجنة الشعبية باتت الجناح السياسي لحركة “حتم”.
كنا نعيش تحت مراقبة لصيقة؛ مخبرون يتناوبون على رصد تحركاتنا، ويراقبون خطواتنا وكأنهم يراقبون نبض المدينة نفسها.
لكننا اخترنا تكتيكًا مختلفًا، تكتيكًا يشبه لعبة شطرنج طويلة؛ نبني علاقات طيبة مع بعض أولئك المخبرين، نتحدث معهم بود، ونسرب لهم ما نريد أن يصل، لا أكثر.
وفي أحد الأيام، دخل إلى مقر اتحاد القوى الشعبية ضابط في الأمن السياسي، مدير إدارة متابعة الأحزاب والتنظيمات السياسية.
كان المقر الذي اتخذناه مقرًا للجنة الشعبية يقع في الشارع العام أمام السنترال، مكان بسيط، لكنه كان قلب الحركة.
رحبنا به، جلس معنا، وقدم له الرفيق قاسم الذرحاني كمية من القات، وكأنما هو ضيف عزيز.
تعاملنا معه كما خططنا؛ حديث شفاف، ومعلومات كثيرة، وتفاصيل عن تواصل مع محافظات أخرى، وعن تظاهرة مرتقبة هنا، واعتصام هناك.
كان يستمع بانبهار، ويسجل في ذهنه كل كلمة، ولا يدرك أن كل ما يسمعه مجرد خيوط وهمية نسجناها بعناية.
ومع أذان العصر، استأذن للمغادرة، وخرج مسرعًا لينقل ما جمعه، لكنه نسي كيسًا بلاستيكيًا خلفه.
كان الكيس عاديًا، مما نسميه أكياس الدعاية، لكنه كان بداخله شيء غير عادي.
فتحناه، فوجدنا ملفًا كاملًا مليئًا بأوراق كثيرة.
أخذ الرفيق علي شايف الملف، ونادى الحجري، القيادي في اتحاد القوى الشعبية بمديرية الضالع، وأرسله إلى محل اتصالات الحود تحت المقر لتصويره على وجه السرعة.
عاد الحجري ومعه النسخ، وأُعيد الكيس إلى مكانه كما كان.
بعد دقائق عاد الضابط مهرولًا، يلهث، ويسأل عن الكيس الذي نسيه، وما إن شاهده في مكانه كما وضعه حتى تناوله بسرعة، فأخذه كمن يستعيد روحه، وغادر.
في اليوم التالي جلسنا نقرأ الملف، صفحة بعد صفحة، وكأننا نقرأ عقل الأمن السياسي نفسه.
كانت المعلومات كنزًا، فصغنا خطة أنشطة وفعاليات تقوم على قاعدة الهجمة المرتدة؛ نتحرك عكس توقعاتهم تمامًا.
كانوا يراقبوننا، لكن مراقبتهم كانت تقودهم إلى الضياع، حتى تمت الإطاحة بالضابط من منصبه، وتحويله إلى محافظة أخرى.
كانت تلك واحدة من عشرات المواقف التي عشناها خلال فترة 1997 و2001؛ سنوات تشبه رواية طويلة، مليئة بالمفاجآت، وحبلى بالصراع، وبالقدرة على تحويل المراقبة إلى فرصة، والخطر إلى قصة.
وإذا كانت رصاصات القمع وحملات الملاحقة والاعتقال هي الوجه الظاهر لتلك المرحلة، فإن الوجه الخفي والأكثر إلهامًا كان يكمن في القدرة الفائقة على الابتكار النضالي حين تضيق السبل.
لقد تجلى جوهر المواجهة في ذلك التناغم بين الصوت والطلقة؛ حيث كان الهتاف الثوري والنيران المشتعلة وجهين لعملة واحدة لا ينفصلان.
أثبتت تجربة الضالع أن الانتصار في المعارك المصيرية لا يُقاس فقط بحجم القوة النارية، بل بقدرة العقل الجمعي على قراءة لحظات الضعف في جسد الخصم، واستثمار هفواته، ولو كانت على شكل ملف منسي، لتحويلها إلى ذخيرة سياسية تعيد تشكيل ملامح الصراع.
تلك الهجمة المرتدة التي لجأ إليها قادة اللجنة الشعبية ومنظمة الحزب الاشتراكي لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت فلسفة نضالية راسخة تؤمن بأن المراقبة حين تتحول إلى لعبة شطرنج، والخطر حين يتحول إلى قصة تُروى، فإن النضال يستمر ويتجدد مهما كانت أدوات القمع والتنكيل.
لقد أرست تلك السنوات قاعدة ذهبية في الوجدان الجنوبي، مفادها أن الإرادة الحرة، إذا اقترنت بالدهاء والحنكة، قادرة على اختراق أقوى الجدران، وتحويل أخطر المواقف إلى محطات انتصار معنوي لا يمحى من ذاكرة التاريخ.

