صحيفة الثوري – كتابات
خالد طربوش
كل ما نشهده اليوم من احتكاكات وضغوط وتوترات، سواء كانت مطلبية أو سياسية، يعود في جانب كبير منه إلى فقدان البلد لرجال الثقة والسياسيين الذين يمتلكون رصيدًا من المصداقية لدى الشارع. وعندما تغيب الشخصيات القادرة على التهدئة وبناء الجسور بين السلطة والمجتمع، تتحول كل أزمة صغيرة إلى أزمة أكبر، وتتسع فجوة الشك بين الناس ومؤسسات الدولة.
الحكومة ليست بعيدة عن دائرة المسؤولية، ولا أبرئها، لكنها ليست الطرف القادر وحده على احتواء هذه الاختلالات أو إيقاف التجاوزات، بل أصبحت في كثير من الأحيان الهدف الأسهل الذي تتجه إليه سهام الغضب والانتقاد.
طيب، أين مجلس النواب؟ وأين مجلس الشورى؟ وأين هيئة التشاور والمصالحة؟ وأين الأحزاب المنخرطة بها؟ وأين أولئك الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم نخبة سياسية ومرجعيات وطنية؟ ما الجدوى من وجود هذه المؤسسات وهذه الصفات إذا كانت تغيب عند الحاجة إليها؟ وما مبرر الامتيازات والمخصصات التي يتمتع بها أعضاؤها إذا كانوا لا يؤدون الدور الذي أُنشئت من أجله هذه المؤسسات؟
من المفترض أن تكون هذه الهيئات صمام أمان، وأن تضطلع بمهمة تهدئة الاحتقان وتقليل الخسائر السياسية والاجتماعية، وتسهم في بناء التفاهمات وتقديم المعالجات قبل أن تتفاقم الأزمات. لكن المشكلة أن كثيرًا ممن يُفترض بهم القيام بهذا الدور فقدوا مصداقيتهم لدى الناس، وأثبتت الأيام محدودية رؤيتهم وسطحية تعاطيهم مع الأحداث، فانشغلوا بخلافاتهم ومصالحهم الخاصة أكثر من انشغالهم بمسؤولياتهم العامة.
ولهذا، لم تعد الأزمة في نقص المؤسسات بقدر ما هي في غياب الدور، ولم تعد المشكلة في تعدد الصفات والمسميات بقدر ما هي في غياب الكفاءة والمصداقية والقدرة على التأثير. فالناس لا تبحث عن كثرة المتحدثين باسمها، بل عن رجال دولة قادرين على تحمل المسؤولية عندما تشتد الأزمات.





