آخر الأخبار

spot_img

صيف عدن اللاهب.. عندما يكتب الرصيف مأساة المدنية

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

د. حافظ قاسم القطيبي

في عدن هذه الأيام يسقط الزمن المألوف، وتفقد الساعات دلالتها، حيث يغدو لهيب الأجساد المكتوية في الغرف الضيقة هو المقياس الحقيقي لمرور الوقت. ومع انقطاع شريان الكهرباء، تنخلع البيوت عن صفتها كملاذات آمنة لتغدو أشبه بأفران إسمنتية لاهبة تختزن القيظ وتنفثه في الصدور، لينفرد العرق بكونه السردية المشتركة والكثيفة بين أطفال يتلوون، ومرضى يئنون، وأمهات يبتلعهن الكمد. وتتجاوز الكارثة حدود العتمة العابرة لتستحيل دورة تعذيب يومية ممتدة على مدار الساعة؛ نهارٌ مستعر تحت سطوة شمس حارقة ورطوبة خانقة تكتم الأنفاس، يتبعه ليلٌ ثقيل يفتقر إلى نسمة برودة، فيغدو التنفس نفسه عبئًا ثقيلًا لا يُطاق.

وفي غمرة العتمة المطبقة والحر الشديد، يندفع الناس نحو الخروج كخيار أوحد للنجاة، فيفترشون الإسفلت الساخن على أرصفة المدينة، باحثين عن “نسيس هواء” عابر يمر فوق مياه البحر الهائج. إن هذا المشهد الموجع يمثل رسالة بليغة ومفتوحة تُكتب فصولها الحارقة بأجساد المواطنين، إذ تغدو هذه الأجساد المنهكة الممتدة على قارعة الطريق الأداة الحية المتبقية للاحتجاج على هذا الواقع. إنه بيان صامت يطبع خطوطه عبر الندوب الدامية لتلك الالتهابات الجلدية والبثور التي تغطي بشرة الأطفال الغضة وتنهك أجساد الكبار جراء القيظ المستمر، لتكون هذه الندوب بمثابة تواقيع حية على وثيقة معاناة المدينة.

ويكشف هذا المشهد بوضوح تام حجم الفجوة بين واقع الحال وعناوين العيش الكريم؛ ففي اللحظة التي تلتحم فيها أجساد الفقراء بالرصيف، تتجلى مفارقة طبقية فجة خلف زجاج المركبات الفارهة وأسوار الفلل المحصنة والبيوت المنيفة، حيث تنعم برجوازية الحرب والمنتفعون بالتكييف المركزي المستدام. وهنا يتحول التمايز بين البشر من مجرد أرقام وفروقات مادية جافة إلى قدرة وحشية تمنح الأقلية امتياز “شراء الهواء البارد” واستنشاق الحياة، وتترك الأغلبية الساحقة في جحيم الحر والتهميش.

إن هذا التردي المعيشي وسحق الطبقة الوسطى –من معلمين وأكاديميين وموظفين يمثلون صمام أمان المجتمع– ليس أزمة طارئة أو وليدة الصيف الراهن. إنه نتاج سنوات طويلة من الإخفاق والتخبط، تقاسمت وزر هذا الإخفاق حكومات وسلطات متعددة الأطياف، تغيرت وجوهها وولاءاتها، وظلت التكلفة واحدة يدفعها المواطن من صحته وعافية أبنائه. ويوضح هذا الامتداد الزمني رسوخ الفشل المؤسسي كحالة مزمنة، تشترك في حمل أوزارها كافة الأطراف السياسية وتتقاسم مسؤوليتها أمام الشعب.

إن صيف عدن الساخن بأجساده الملتهبة وجلود أطفاله المحترقة هو جرس إنذار لصناع القرار والسلطات جميعها على حد سواء. وإن السلام الحقيقي المستدام في البلد تصنعه العدالة الاجتماعية وتأمين كرامة الإنسان في بيته وشارعه، بعيدًا عن حبر الاتفاقيات السياسية فوق طاولات السياسيين

ويفرض هذا الوضع المأساوي على الجميع النأي بالمعاناة الإنسانية عن الاستغلال، وتجنب تسييس وجع الأطفال والنساء، والترفع عن اتخاذ الآلام أوراق ضغط وتفاوض في سوق المزايدات والتجاذبات السياسية الآنية، أو جعلها وسيلة لتصفية حسابات سلطوية ضيقة. إن عرق الناس المتصبب على أرصفة عدن يظل أسمى من الشعارات الشعبوية، في ظل وقوع جميع الأطراف السياسية داخل دائرة المسؤولية التاريخية ذاتها.

ويقتضي الإنصاف تثمين أي جهود مبذولة على الأرض لتخفيف هذه المأساة، ويعد أي تحسين ملموس –وإن كان جزئيًا– في ساعات تشغيل الكهرباء، وأي أعمال صيانة وتأهيل للمحطات والمرافق الخدمية، خطوة مقدرة ومحل ثناء مستحق، نظرًا لرغبة الناس في التقاط الأنفاس والنجاة من وهج الصيف.

غير أن هذا التقدير للمتاح لا يعني بأي حال من الأحوال القبول به كسقف نهائي للطموح الشعبي، أو تحويله إلى مبرر يغطي على الخلل الأساسي. إن إدارة الأزمات بـ”جرعات المسكنات المؤقتة” والحلول الترقيعية التي تتبخر مع أول موجة حر أو أزمة وقود، ليست إلا استنزافًا للموارد ومماطلة في مواجهة استحقاقات المواطنة والكرامة الإنسانية.

إن مواجهة هذه الكارثة المتفاقمة تتطلب تجاوز التهدئة الموسمية والبدء الفوري بإصلاحات جذرية وهيكلية شاملة، تتعدى قطاع الكهرباء لتشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمع وفق ثلاثة مسارات أساسية:

• الإصلاح الإداري والمؤسسي: وذلك من خلال تفكيك شبكات المصالح وإدارة اقتصاد الجبايات، وإعادة بناء المؤسسات الخدمية على أسس الكفاءة والنزاهة، وتفعيل الأجهزة الرقابية المحايدة لضمان توجيه الموارد نحو مستحقيها.

• العدالة الاجتماعية والاقتصادية: من خلال ردم الفجوة الطبقية الصارخة عبر سياسات اقتصادية عادلة، وتوجيه الإيرادات لدعم الفئات الكادحة والوسطى، وتأمين الخدمات الأساسية باعتبارها حقوقًا أصيلة للمواطن.

• التنمية المستدامة: بالتحول نحو الاستقلال عن الوقود المكلف والمستنزف للميزانية، والتوجه الجاد والواسع صوب الاستثمار في الطاقة المتجددة (كالطاقة الشمسية).

إن صيف عدن الساخن بأجساده الملتهبة وجلود أطفاله المحترقة هو جرس إنذار لصناع القرار والسلطات جميعها على حد سواء. وإن السلام الحقيقي المستدام في البلد تصنعه العدالة الاجتماعية وتأمين كرامة الإنسان في بيته وشارعه، بعيدًا عن حبر الاتفاقيات السياسية فوق طاولات السياسيين. ويظل توفر الإرادة الصادقة للذهاب نحو هذه الإصلاحات الجذرية هو الضمان الأوحد للحفاظ على السلم الأهلي وحماية المجتمع من انفجار اجتماعي وشعبي عاصف تتجاوز مآلاته قدرة الجميع على التنبؤ أو الاحتواء.

* نقلاً عن منصة امتداد