آخر الأخبار

spot_img

اليمن.. خلل العلاقة بين الداخل والخارج

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

قادري أحمد حيدر

الإهداء:

إلى الأستاذ القدير والباحث الجميل/ زيد بن علي الوزير، واحدًا من جيل المثقفين الأحرار والرواد (أصغرهم عمرًا، وأكثرهم إبداعًا وإنتاجًا، بل ومعاصرة).. اسم علم فكري وثقافي وسياسي، كان وظل يتقدم في خط البحث العلمي، والكتابة الفكرية والثقافية والتاريخية المتوازنة، أحد رموز “الكتلة الثالثة” سياسيًا، ولكنه في الصف الأول في الكتابة الثقافية الوطنية التاريخية… يمني الهوى والهوية، متحلل من العصبية المذهبية، “السلالية”، منحاز لحرية الفكر والبحث، يقبل بالآخر، يؤمن بالتنوع وبالقراءات المتعددة للنص الواحد، وموقفه النقدي الإيجابي من المطرفية – وغيرها – يقول ذلك.

لقد تجاوز الأستاذ الباحث/ زيد حالة رد الفعل إلى تقديم الرأي والفكرة، في دليل تقدم في درب المعرفة التاريخية والإنسانية، ولذلك نجده مع كل كتابة جديدة له يقدم قراءة تتقدم على نفسها، وتضيف إلى ما كان عليه؛ مثقف شامل، له إسهامات فكرية وثقافية وأدبية وتاريخية متنوعة.. تتفق أو تختلف معه على قاعدة الحوار، تشعر بالمتعة المعرفية وأنت تقرؤه، وتشعر أكثر بمتعة الحوار وأنت تجادله وتختلف معه، وتخرج من كل ذلك بزاد معرفي إضافي.

قدم إسهامات مبكرة في صفحة القراءة الأدبية والفكرية والثقافية والتاريخية، وفي كل منها كان ذلك المبدع الأصيل الذي يجمع بين التراثي والمعاصر، والأجمل أنه ينأى ويتجنب إصدار الأحكام المطلقة، ويترك مسافة للحوار مع الفكرة التي يكتبها، ومع القارئ والمحاور المختلف معه، والسبب أنه ترك باب الاجتهاد الزيدي المعتزلي مفتوحًا على كل شيء.. هو اليوم أحد أهم ورثة الإمام زيد بن علي في الأصول والفروع ضمن سياق تطوري معاصر.

إليه: مع خالص المودة والتحية والتقدير.

كانت العلاقة تاريخيًا بين الداخل اليمني والخارج لصالح الداخل اليمني، حين كنا ضمن دول المركز في تاريخ العالم القديم (اليمن القديم)، أي حين كنا ننتج نظمًا سياسية وأنظمة اجتماعية واقتصادية (دولًا)، ونصدر ما ننتجه إلى العالم الخارجي.

حينها، كنا لا نتعامل إلا بتكافؤ مع ذلك الخارج، بل وأحيانًا نستتبعه لصالح داخلنا سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا.. وكنا حلقة وصل بالعالم، حين كان ذلك الخارج في الجوار، بدون خارج، ويعيش واقعًا داخليًا ضعيفًا ومتقوقعًا على ذاته (داخله) (البدوي الصحراوي).

وحتى حين كانت أرض ومهد الإسلام كدولة، كانت الشام (سوريا) والعراق هما أرض الدولة الإسلامية “الأموية” و”العباسية”، وكنا في اليمن مهاد بنيان الدولة، من عهد التبابعة (الأقيال) حتى بداية العصر الإسلامي (الخلافة الراشدة والفتوحات).

هنا كان جدل الداخل والخارج لصالحنا. وعلينا أن نبدأ بالإجابة على سؤال: متى بدأ خلل جدل هذه العلاقة يكون لصالح الخارج تاريخيًا؟

هل كان ذلك من بداية احتلال الأحباش لنا، واستنجادنا بالفرس؟ أم أن خلل ذلك الجدل السلبي بدأ حقيقة من بعد ذلك التاريخ؟ مع أن مقاومة اليمنيين للأحباش في الاحتلالين الأول والثاني، وكذلك للفرس، لم تتوقف، واستمرت حتى بداية العهد الإسلامي.

تقديري، لم تكن يومًا العلاقة بين الداخل اليمني والخارج الأجنبي بمسمياته المختلفة، بمثل ما هي عليه اليوم من اللاتكافؤ والاستتباع والانتقاص من الإرادة، ومن السيادة، ومن الكرامة الوطنية.

كانت علاقتنا في الغالب مع الخارج ندية ومتكافئة، بالمقاومة ولصالح الداخل، وبدأ هذا الخلل يميل نسبيًا لصالح الخارج في التاريخ الحديث والمعاصر، مع الاحتلال العثماني، ومع تشجيع السعودية انفصال عسير بيد الإدريسي، حتى احتلاله، مع غيره من البلدات والمدن، من قبل السعودية، في واقع حكم إمامي “قروسطي” راكد في التاريخ.

وارتفع منسوب هذا الخلل لصالح الخارج بعد حرب واتفاقية الطائف الحدودية مع السعودية في العام 1934م، ووصل هذا الخلل الانحداري، وتعمق أكثر لصالح الخارج بعد اتفاقية جدة مارس 1970م، ووصل إلى ذروته الفاسدة والكارثية في صورة خلل العلاقة لصالح الخارج، في صورة كل ما يحصل اليوم في كل البلاد، شمالًا وجنوبًا.

فقد وصل الاستنفاع والتبعية والارتهان للخارج إلى قمة السقوط السياسي والوطني، حد امّحاء صورة الداخل لصالح الخارج (المندوب السامي).

وكأننا نشهد عودة ثانية للحظة دخول واحتلال الاستعمار لبلادنا ومنطقتنا، والذي كان في النصف الأول من القرن التاسع عشر، مرحلة/ تحول الرأسمالية من مرحلة “دعه يعمل، دعه يمر” إلى المرحلة الإمبريالية، حالة استعمارية ومرحلة/ لحظة تاريخية لم نستطع التكيف معها، ولا رفضها، إلا بالمقاومة المسلحة بعد ذلك، في أكثر من حالة عربية، ومنها جنوب اليمن.

إن خلل، أو جدل العلاقة السلبي بين الداخل والخارج، هو تعبير وتجسيد لصورة وضعنا الذاتي المأزوم، والمنقسم على نفسه إلى ذوات صغيرة متعددة. هذا أولًا، وبدون رؤية، وهو ما يعني فقداننا لمنطق التفكير السليم في الواقع، وبالنتيجة فقداننا للبوصلة في فهم ما يجري، وكيفية الخروج من الأزمة الراهنة، وهو ثانيًا.

والأهم أن هذا الانقسام وغياب الرؤية تحكمه وتتحكم به المصالح الصغيرة والذاتية للبعض منا، نتيجة غياب المشروع السياسي النهضوي الديمقراطي اليمني الجامع – بدرجات متفاوتة – وهو ثالثًا.

ومن هنا اختراق الخارج لذاتنا/ ذواتنا المنقسمة على نفسها، على خلفية وقاعدة مشاريع صغيرة: مذهبية، طائفية، قبلية، مناطقية، جهوية، سلالية.

والجدل السلبي للعلاقة بين داخلنا وخارجنا تقف خلفه هذه المعطيات الثلاث التي ألمحنا إليها، في الأمس واليوم، في صورة فقداننا للثقة بالذات، وضعف الإرادة فينا، في القدرة على الفعل الحي والملموس في الواقع، بعد أن تقدمت التعارضات الذاتية الثانوية في داخلنا على التناقضات الرئيسة (الجوهرية)، مع كل ما يحيط بنا من مصاعب وتحديات آتية من داخلنا ومن خارجنا.

وهو ما يجب أن يكون مفهومًا واضحًا، ونحن نقرأ حالتنا ووضعنا الراهن، في صورة ضعف ووهن الذاتية الداخلية (الوطنية) حيال الخارج. ولذلك تتقدم المشاريع “الصغيرة الهوياتية”، وتتراجع الرؤى الفكرية والثقافية العقلانية والديمقراطية الكبرى.

نعيش اليوم حالة احتلال بدون حرب احتلالية عسكرية مباشرة، والأسوأ أنها بدون مقاومة.. احتلال بقوة ناعمة (سياسيًا وماليًا)، تشكلت معه ظاهرة “الارتزاق السياسي والمالي” عند قطاع واسع من النخبة السياسية.

وهو الذي شكل حالة وواقع ضعف الداخل منا، الداخل المنقسم على نفسه، والمفتقد للإرادة والرؤية والقدرة على الحركة والفعل، وبالنتيجة غياب المشروع الأيديولوجي والسياسي النهضوي والديمقراطي اليمني، بعد أن انتشرت المشاريع المليشيوية الصغيرة شمالًا وجنوبًا (وكلاء الخارج).

وهو ما يشرح ويفسر ظاهرة “المندوب السامي” السعودي والإماراتي والإيراني، وتحولت معه اليمن إلى ساحة معقدة ومركبة لتصفية حسابات الخارج على أرضنا، وعلى حساب ثرواتنا وسيادتنا واستقلالنا، وبرضا وخضوع من النخبة السياسية مختلفة الأسماء التي تراقب المشهد السياسي والعسكري من بعيد، وكأن ما يحصل لا يعنيها ولا يهمها!!

إن البداية السياسية والعملية تبدأ وتكون من وحدة الصف على الحد الأدنى من المشترك السياسي والاجتماعي والثقافي والوطني، والتحرك معًا باتجاه استعادة الدولة – كما سبقت الإشارة – بقدراتنا الذاتية الخاصة، وليس بالاستنجاد بالأجنبي الذي تحول إلى مشكلة مضافة وعبء احتلالي.

وهنا علينا التفكير جديًا بتحديد موقف سياسي وطني منه، ومن تداعيات تأثيراته السلبية على راهن ومستقبل بلادنا، وهو تحدٍّ خارجي يتقاطع مع التحديات الذاتية السلبية الداخلية في صورة تضامنية وتكاملية، تقف عقبة كأداء أمام إنتاج أي حلول سياسية واقعية لكل ما يجري على الأرض.

إنها لحظة تماهي وتوحد الذاتي الداخلي (الوكيل) بالخارج (الكفيل)، وهي معضلة علينا الوقوف بجدية واقعية أمامها.

وبدون ذلك لن نرى ضوءًا في آخر النفق، وسنظل ندور ونتحرك في حلقة مفرغة من استمرار الحروب، وقطعها بالهدن الحربية المؤقتة باسم السلام الكاذب، وبما يخدم مصلحة الخارج والداخل التابع والفاسد.

في صورة “السميفع أشوع” الذي تولى الحكم بأمر من القائد الحبشي “أرياط” في العام 525م، ويتولى “المجلس القيادي الرئاسي” سلطته اليوم/ في العام 2022م، بقرار تعيين من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، مع فارق أن ذلك يحصل بعد أكثر من ألفي سنة من ذلك التعيين، وبعد أكثر من ثورة يمنية، والعالم يدخل العقد الثالث من الألفية الثالثة، حيث المقارنة هنا تصبح لصالح “السميفع أشوع القديم”، مع الاعتذار للشهداء وللثورات وللتاريخ.

نحن لا نطالب بالمستحيل، بل بالحد الأدنى من المطالب السياسية والواقعية، التي تجعلنا نبدأ ونقف على رأس الخطوة السياسية والعملية الأولى الصحيحة.

فبدون استعادتنا للدولة الجامعة، التي بيدها وحدها حق احتكار العنف (السلاح)، لا يمكننا أن ننطلق خطوة واحدة إلى الأمام، فمرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة عملية صحيحة.

فقط، علينا تذكر أن الهدف الاستراتيجي للثورة اليمنية في جنوب اليمن وشماله كان في إقامة وبناء الدولة المدنية والوطنية الحديثة، دولة المواطنة للجميع.

وبعد أكثر من خمسة عقود، كان الحراك الجنوبي السلمي 2007م نقضًا لحرب 1994م، وبعدها جاءت ثورة الشباب والشعب في فبراير 2011م، لتؤكد على مشروع وقضية بناء الدولة المدنية الديمقراطية، التي وقف ضدها علنًا ومن قلب ساحة الحرية والتغيير في صنعاء، الشيخ/ عبدالمجيد الزنداني، الذي قال: لا للدولة المدنية، وهو محاط ومدجج بالعشرات من المليشيات التكفيرية المسلحة.

لكن صوت الثورة السلمية والحرية والتغيير كان الأقوى والأعلى في حينه، وكان صوته التكفيري الظلامي هو النشاز، لكنهم راكموا تدريجيًا، وبالتحالف مع الخارج، الأرض السياسية للثورة المضادة، للانقلاب على المبدأ السياسي والاستراتيجي للثورة، وهو بناء الدولة المدنية الحديثة.

تحالف سري وعلني (تآمري) استمر يراكم شروط الثورة المضادة من داخل الساحات، إلى المعسكرات، وإلى مؤسسات السلطة/ الدولة التي كانت تحت تصرفهم، وصولًا إلى داخل قاعات ووقائع مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

وساعدهم في ذلك اختراق “الشرعية” بكم هائل من السلبيات والقرارات الخاطئة، شرعية اتسمت بضعف “الكاريزما”، وفقدان صورة القائد السياسي رجل الدولة صاحب القرار، وتردد تلك الشرعية البائسة في إصدار قرارات تعكس وتجسد صورة ومضمون المرحلة الانتقالية.

وذلك في صورة وحدة الجيش الوطنية، وتحديدًا في صورة رفضها إصدار قراري: “العدالة الانتقالية”، وقانون “استعادة الأموال المنهوبة”، وغيرهما من القرارات.

كل ذلك هيأ الأرض لمراكمة شروط فعل الثورة المضادة التي نعيشها اليوم، والتي كان تتويجها الانقلاب على كل أهداف الثورة اليمنية، في صورة رفض واختطاف “مشروع الدستور”، حتى الانقلاب على “مخرجات الحوار الوطني الشامل” في سبتمبر 2014م، من خلال تحالف قطبي الثورة المضادة: “الإمامة” وشيوخ القبيلة والعسكر.

وهم جميعًا رموز “الدولة العميقة”، التي استنهضت قواها لمواجهة رياح التغيير والثورة، في صورة تحالف (الوكلاء) مع (الكفلاء)، التي أسميها تحالف “الدولة العميقة”، في صورة خلل أو جدل العلاقة السلبي بين الداخل والخارج، الذي وقف وما يزال يقف حائلًا دون دخولنا إلى مرحلة سياسية تاريخية نوعية جديدة في صورة كل ما يجري.

والمفارقة أو الفارق بين احتلال الأمس واحتلال اليوم، أن احتلال الأمس – والذي ما يزال مستمرًا على مستوى التبعية الاقتصادية للرأسمالية العالمية المتوحشة – جاء حاملًا لثنائية: الاستعمار والحداثة، “صدمة الحداثة”.

أما احتلال اليوم فجاء من كهوف الماضي (الوهابية التكفيرية)، ومن خلال حكم عائلي/ قبلي، حاملًا معه “صدمة التخلف”، وليس دهشة الحداثة.

صلته بالماضي هي الأساس والأعمق، جاء متأبطًا الموروث الاستبدادي السياسي والأيديولوجية الدينية التكفيرية، ويسير على أنقاض ما تبقى من المدنية والحداثة والتحديث، ومن الدولة في بلادنا.

هو ينجز على صعيد وطنه الخاص (الداخلي) حالة من “الترفيه الاجتماعي والفني”، وليكرس في بلادنا ترف هيمنة المذهبية والطائفية والقبلية والسلالية والتبعية.

الاستعمار الغربي ارتبط بتغلغل الرأسمال الأجنبي في بلادنا، وبأشكال تحديث محدودة، وبنمو واضح للطبقة الوسطى، وبالسماح بالعمل الحزبي والنقابي والمدني، وبقيام الاحتجاجات والمظاهرات السلمية.

أما الاحتلال الجاري في صورة “خدام خدام الجرافي” لبلادنا، فإننا لا نرى معه شيئًا من كل ذلك، سوى تكريس وترسيخ أسوأ صور التخلف والتبعية، مع حصار سياسي واقتصادي وعسكري للبلد كله شمالًا وجنوبًا، وضد كل ما كان قائمًا في بلادنا من أشكال الحداثة والتحديث.

حتى اللحظة، الداخل اليمني (الوكلاء) – مع الأسف – يستجيب ويتكيف سلبيًا مع طروحات وشروط ذلك الخارج الاحتلالي، وإلا لما تمكن ذلك الخارج من البقاء والاستمرار في الفعل في داخلنا.

واليوم يلتقي ويتوحد “الاحتلال المتخلف” (السعودي/ الإماراتي/ الإيراني) مع الاحتلال الأمريكي (الحداثوي الديمقراطي في العراق)، في أن دورهما لم يقتصر على تدمير البنية التحتية لليمن وللعراق، بل إنهما سعيا إلى تفكيك أوصال ومفاصل الدولة، واتفقا على تدمير الجيش الوطني ومؤسسات الدولة المدنية والأمنية، “البنية التحتية”، والسيطرة على مواقع النفط والغاز والموانئ والمواقع الاستراتيجية، وتدعيم الجماعات المليشيوية والإرهابية، وجعل أرواح الناس بلا معنى.

إن الوضع السياسي الراهن، الداخلي والخارجي، يقول: إننا وجدنا أنفسنا أمام دولة فاشلة، انقسمت على نفسها، وأمام نخبة سياسية يمنية أفشل، تتصدر المشهد السياسي العام اسميًا وشكليًا.

نخبة صمتت عن الكلام السياسي والوطني حين كان الكلام من ذهب، ومستمرة في قول ما لا يلزم من القول.

هناك دولة فاشلة، ونخب سياسية مهدت لذلك الفشل، ولا صلة لذلك بالحديث عن فشل الثورة أو “الربيع العربي”، كما يقول البعض، لأن أثر الثورة والفعل الثوري سيجد طريقه للتغلغل والسريان مفاهيميًا وفكريًا في كل مفاصل السياسة والاجتماع.

فليس هناك من ثورة في التاريخ تموت.

كانت قدرة السعودية على التحكم بالقرار السياسي اليمني في الستينيات والسبعينيات تقف عند حدود المطالبة بتعيين هذا الوزير أو ذاك، أو بتغيير رئيس الوزراء وتحديد اسم رئيس الوزراء البديل (الحجري بدلًا عن محسن العيني)، كما كان وتم في النصف الأول من السبعينيات.

أما اليوم، فهي من يقرر تعيين رئيس الجمهورية، وتستبدله بمن تعنّ لها من الأسماء، بل وهي من يغير شكل الحكم ومضمونه.

إنه التطور الدراماتيكي الكارثي لخلل جدل علاقة الداخل بالخارج، وهذا هو باختصار حالنا اليوم.

يمكنني القول إن هناك بدايات رفض (مقاومة) لذلك الخارج، واحتجاجات عميقة كامنة، لكنها لم تتبلور وتتضح معالمها وملامحها في صورة حركة سياسية اجتماعية عملية ومنظمة رافضة، تحدث فجوة إيجابية بينه وبين داخلنا، ولصالحنا.

نحن في الداخل – بدرجات متفاوتة – نعيش حالة وعي فكري وسياسي تتسم بالتشوش في الرؤية والغموض المنهجي تجاه ما يجب أن نكون عليه، وما يجب أن نعمله لتقليص وإلغاء حضور الخارج لصالح داخلنا الوطني.

والسؤال: هل هذا الخلل بين الداخل والخارج سينتهي ويزول قريبًا وسريعًا، أم أنه سيأخذ مداه الاحتلالي/ الاستتباعي الطويل في تاريخنا السياسي اليوم؟

أي هل نحن أمام لحظة احتلالية تخلفية معاصرة من نوع جديد، بدون “صدمة الحداثة” التي كانت مع الاستعمار القديم، أم أنها لحظة سياسية عابرة ليس لها أي سمة أو صفة تاريخية، ولا إمكانية ولا مستقبل لها للاستمرار؟

في تقديري، أن استمرار الجدل السلبي لهذه العلاقة بين داخلنا والخارج الاحتلالي، مرتهن بمدى إدراكنا لخطر استمرار تلك العلاقة السالبة على كل مستقبلنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي والوطني.

وهو الذي لا يمد فحسب في عمر الميليشيات الهوياتية، بل ويساهم جديًا وفعليًا في تكريس وتعميق حضورها السياسي والعسكري والطائفي والمناطقي والجهوي.

المطلوب تهيئة وإعداد أنفسنا في الجنوب والشمال لرفض ومقاومة ذلك الخلل، عبر استعادة إرادتنا السياسية والوطنية بأيدينا، عبر توحيد الصف السياسي والاجتماعي والوطني على قاعدة استعادتنا للدولة بأيدينا، وبإرادتنا السياسية الحرة.

وعلى طريق بناء جيش وطني حديث يرتكز على قاعدة المواطنة المتساوية، ولنتفق من خلال الحوار على كيف يكون مستقبل بناء الدولة.

ما كان استعمارياً صار مفهومًا، وقدم الجميع قراءاته الأيديولوجية والسياسية والتاريخية حوله، في كتب وموسوعات صارت من أدبيات الفكر السياسي التاريخي العالمي.

أما ما يحصل في بلادنا اليوم، فلا تفسير له سوى أننا نعيش حالة غيبوبة شبه كاملة من العلاقة الاستلابية (الاغترابية)، غير المتكافئة والاستتباعية للخارج؛ الخارج الصغير الذي هو تابع للخارج الأكبر، في صورة الاستعمار الجديد العولمي النيوليبرالي.

فقدان شامل وكامل للإرادة السياسية، وتفريط بالسيادة الوطنية وبالقرار السياسي الوطني المستقل، بعد أن اندمج بل وذاب الداخل في الخارج.

عجبي!!