آخر الأخبار

spot_img

لحظة أمام مجموعة «لعنة الكيبورد» للشاعر معاذ السمعي

“صحيفة الثوري” – (ثقافة):

عبدالحكيم الفقيه

تعد قصيدة النثر هي (الشكل الأحدث) لكتابة القصيدة، والتي لاقت استهجاناً واسعاً، ودخلت في معارك الشعراء؛ فمنهم من طردها من (جمهورية) الشعر، ومنهم من عضّ عليها بالنواجذ، وأمسك بجمرتها حتى استقرت كشكل طبيعي من أشكال الشعر المتعايشة.

ومن وجهة نظري لا داعي للتنابز بالأشكال الشعرية؛ فالشعر الجيد يوجد في كافة الأشكال، والشعر الرديء يوجد في كل الأشكال، ولا علاقة للشكل بجمالية أو قبح القصيدة.

الشاعر معاذ السمعي شاعر شاب يكتب قصيدة النثر باقتدار وتمكن، واطلعت على نماذج له في التفعيلة والعمود، ويكتبهما بإتقان.

ديوانه هذا الذي أتناوله نقدياً يحمل عنوان “لعنة الكيبورد”، ويقع في 100 صفحة، ويحتوي على 20 قصيدة، وصادر عام 2024 عن دار مواعيد.

قيل إن القصيدة كالبصلة، تغلف نواتها وجذورها بأغشية وقشر عديدة؛ فهناك القشرة اللغوية والإيقاعية والفكرية والبلاغية والتصويرية والمغزى وملامح التميز والتجاوز، وإضافتها للوجود الشعري.

سأستخدم النهج النقدي الشامل في قراءتي المتواضعة لمجموعة شعرية هامة كمجموعة معاذ. الرائع أنه رغم الموت واليباب الذي يلف كل شيء في هذا العقد الأخير من تاريخ اليمن، فإن الشعر والشعراء يخلقون الحياة، ويخرجون الحي المتمثل بالجمال الشعري من الميت المتمثل في هذا الواقع المعاش جراء الحرب اللعينة والحصار وتعدد سلطات الأمر الواقع.

ثمة ذهول ينتاب القارئ للديوان، يحدث نتيجة العدد الهائل من الصور الشعرية، كأن كل سطر صورة مستقلة تنضوي ضمن الإطار الكلي. هذا التجزيء للصور هو إحدى خصال الشعر الحديث؛ فالصورة الكلية لأي قصيدة تعد عالماً قائماً بذاته، وما يلاحظه القارئ هو مخاطبة الحواس المختلفة من حيث الألوان والأضواء والخشونة والرقة في المفردات، والأصوات الخافتة والمرتفعة، والروائح. وتجد الذائقة الشعرية ضالتها في مجموعة قصائد الديوان.

ويلاحظ المتلقي كسراً للتابوهات، وهذه من أهم خصال الإبداع الشعري الحديث أيضاً. يخرج القارئ بانطباع مفاده أن الشاعر معاذ بناء محترف في انتقاء المفردات بعناية عفوية، في بنيان سطوره ومداميكه الشعرية.

هذه المجموعة صوبت لي قناعاتي النقدية؛ كونه من المجحف الحكم من خلال نص شعري أو قصيدتين. فالإطلاع على مجموعة كبيرة من النصوص والقصائد يدفع الناقد أو المتلقي إلى أن يؤسس افتراضاته ورؤاه النقدية على أسس موضوعية لا تساعد على دحض أحكامه، إن كان له وللنقد بعض المسلمات والأحكام، مع يقيني أن الناقد خالق ثانٍ للنص.

معاذ شاعر متمكن في جميع أشكال الشعر، ولو أنه أخلص للقصيدة النثرية ـ حسب زعمي ـ أكثر من التفعيلة والعمود، واختط لنفسه نهجاً خاصاً وبصمة تخصه، وهذه سمة الشاعر الجيد. في قصائده تتجلى سمات وخصائص الحداثة من خلال كسر التابوهات، وأسلوب السهل الممتنع، واختمار الفكرة في عمق الباطن، والبساطة الأسلوبية والعمق الفني، والتمرد على الآني، ومعانقة السيكولوجيا، والبحث عن المألوف في اللامألوف، وتنويع المتحدث، والمحاسن البديعية، والاتكاء على الموروث والمقروء في صناعة الجدة والجديد، والتمرد على القوالب والسكون، والحفر في أعماق المجهول.

تنتاب القارئ لمجموعته هالة ذهول، وترتسم أمامه عوالم شتى، وتلوح لوحات متناثرة وجزر متباعدة، لكنها إجمالاً ذات رابط وإطار كلي.

لم تكن المواضيع مألوفة ومستقاة من معطى الهم اليومي، ولم تكن المغازي ذات صبغة إيديولوجية، ولم يكن الشكل هو الغاية وهمّ الشاعر، بل بوح كبوح المستلقي على سرير العيادة، وتتكتف مفرداته المتحركة وسياق رسم الصورة اتكاءً على باطن النبر لتأملات وجودية اختزلت الكون في سبيكته اللغوية، وهذا ما فعله الشاعر معاذ في ديوانه.

الشعر يومض ولا يعتم، ويرمز ولا يصرح، ويسأل ولا يجيب، ويوخز ولا يداوي، ويسكر ولا يثمل، ويوحي ولا يباشر، ويتأبط جمالاً في ديدن الحياة وصراطها الإنساني الحالم.

شق معاذ طريقه الشعري قافزاً على أسوار المحلية صوب الواقع الشعري خارج الحدود، من خلال تواصله مع أهم الشعراء والشاعرات والمشاركة في بعض المؤتمرات والندوات، وهذه تعد خصلة إيجابية وضرورية لمحاربة السكون والتقوقع، وكذلك تجديد رئة الشعر بأكسجين يخلو من غبار السكون، وهذا حتماً يؤثر على ما يكتب، ويدفعه قدماً صوب مواكبة التجدد وكل جديد.