(عدن) – صحيفة الثوري:
أحمد حرمل
في مساء اليوم الأربعاء العشرين من مايو 2026، انطفأ مشعلا من مشاعل الحزب الاشتراكي اليمني.
رحل الأستاذ أحمد الهيال، عضو المكتب السياسي، بعد صراع طويل مع المرض، لكنه لم يرحل حقًا، لأن الرجال الذين تحملهم القلوب لا تُقبرهم التراب.
رحل قبل أن يستريح، وقبل أن يُشرق فجر المشروع الذي حمله في صدره طوال عمره يشرق من جديد بنفس الوهج الذي كان عليه قبل الوحدة .
وجد الهيال ورفاقه أن مشروع الدولة الذي حملوه إلى صنعاء قد أوصدت دونه الأبواب، وأُطفئت على أهميته الأضواء، حين ضُرب مشروع الدولة الذي حمله الحزب، وذُبحت الوحدة التي حلم بها الشعب ذبحة في حرب 1994؛ تلك الحرب التي كانت بين مشروع وطني حداثي مدني ممثل بالجنوب، وآخر متسلط لا يعرف من الوطن إلا اسمه، ومن الوحدة إلا سطوته.
عاش الهيال ورفاقه في صنعاء بعد حرب 94 جريحي الأحلام، مكسوري التابوت، يحملون على أكتافهم جراح الحلم المؤود.
اعتقد البعض أنهم سينكرون الطريق، ويطوون صفحة المشروع، ويستسلمون لليلٍ بلا فجر.
لكن الهيال لم يكن ممن يلوي عنقه عن الطريق، ولا ممن يبدل المبادئ بسعر الخوف.
ظل واقفًا، متشبثًا بجمره، مؤمنًا أن المشروع لا يموت لأن رصاصة أصابته، وأن الحزب ليس جثة لأن حربًا أدمته.
مضى مع رفاقه يصلح ما يمكن إصلاحه، يعيد اللحمة حيث تكسرت العرى، يزرع الثقة حيث أحرقتها النار، ويبني داخل الحزب ما استطاع بناءه.
كان مدركًا أن النصر ليس دائمًا اقتحامًا بالسلاح، بل أحيانًا يكون بقاءً بالروح، وثباتًا بالمبدأ، ووجودًا لا تزعزعه العواصف.
حمل هذا الهم إلى أن ودع الدنيا في 20 مايو 2026، ولم يرَ الانتصار الذي حلم به، لكنه رحل وهو يعلم أن الجمر الذي قبض عليه بألم سيضيء يومًا في عيون الجيل القادم.
ترك الدنيا وأحلامه فيها لم تكتمل، وغادر ووراءه جرحًا مفتوحًا في جدار الوطن.
عاش في زمن قل فيه الثابتون، زمن يخون فيه القريب قبل الغريب، ويتبدل فيه الموقف بسعر السوق.
زمن أصبح القابض فيه على مبادئه كالقابض على الجمر — تحرق أطراف الأصابع، لكن من يترك الجمر يترك الضوء الذي يهتدي به في العتمة.
كان الهيال واحدًا من أولئك القلّة الذين حملوا الجمر بأيديهم العاريتين، يُؤلمهم وهجه لكنهم لم يرمِوه.
ثابت لا يتلون، وفيّ لا يخون، صامت لا يطلب الأضواء ولا يميلح الأسماع بالشعارات.
رجل من طينة الكبار: يبني ولا يهدم، يصون ولا ينتهك، يصلح ولا يُفسد.
في تلك الأيام العجاف التي أعقبت حرب 1994، حين تهادى الحزب تحت وقع الصدمة، وقف الهيال إلى جانب رفاقه، يعمل بصمت القديسين وإخلاص العشاق.
يمد جسور الثقة بعدما قُصفت، ويزرع روح الانتماء بعدما تشظى الوطن.
لم يكن خلف الكاميرات، بل كان بين الملفات والتفاصيل، يعطي بلا انتظار، ويسهر بلا شكر، ويثبت حيث يتزحزح الكثيرون.
رحيله ليس خسارة للحزب الاشتراكي وحده، فالحزب سيبقى بأعضائه كما يبقى البحر بأمواجه.
لكن الخسارة أن نفقد رفيقًا مجربًا، ونموذجًا نادرًا، ونبراسًا مضاءً في زمنٍ كثرت فيه العواصف.
خسارة أن يرحل رجل مثل الهيال قبل أن يرى مشروعه الحر ينتصر.
اليوم، إذ نودعه، لا نرثيه بالدموع وحدها — فالدموع تخون العظماء. نرثيه بأن نحفظ سيرته، وأن نكمل الطريق الذي لم يُكمل، وأن نظل قابضين على الجمر مثله، حتى لو احترقت الأكف.
نرثيه بأن نُبقي مشروعه حيًا يخفق في قلوبنا، حتى يأتي يوم ويسفر الصبح، وينتصر الحق الذي ضُحّي لأجله، ويثبت أن الرجال أمثال أحمد الهيال لم يموتوا ، وأن كل جمرة قُبضت عليها أضاءت يومًا درب المستقبل.
تعازينا الصادقة لأسرته الكريمة، لأهله ورفاقه، ولكل من عرفه وأحبّه.

