آخر الأخبار

spot_img

 78 عامًا على النكبة الفلسطينية.. شعب يواجه التهجير ويتمسك بالأرض وحق العودة

صحيفة الثوري- خاص: 

في الخامس عشر من مايو من كل عام، يحيي الفلسطينيون في الداخل والشتات ذكرى النكبة الفلسطينية، وهي المناسبة التي تمثل في الوعي الفلسطيني والعربي الحدث الأكثر تأثيرًا في التاريخ الفلسطيني  الحديث، وترتبط بالأحداث التي شهدتها فلسطين عام 1948 وما رافقها من ابادة و تهجير جماعي واسع وتغيرات سياسية وديموغرافية واجتماعية ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

ويعبّر مصطلح “النكبة” عن المأساة الإنسانية المرتبطة بقيام العصابات الصهيونية بتشريد أعداد كبيرة من الفلسطينيين خارج ديارهم وفقدانهم الأرض والممتلكات، وما رافق ذلك من هدم البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني. ويرى الفلسطينيون أن النكبة لم تكن حدثًا انتهى بانتهاء حرب عام 1948، بل بداية لمسار تاريخي طويل ما تزال تداعياته السياسية والإنسانية مستمرة حتى الحاضر.

وتعود جذور الأحداث إلى مرحلة ما قبل إعلان قيام الدولة الصهيونية ، لا سيما بعد صدور قرار تقسيم فلسطين عن الأمم المتحدة عام 1947، والذي مثّل نقطة تحول مفصلية في تاريخ المنطقة. وفي أعقاب ذلك تصاعدت المواجهات والأحداث العسكرية التي انتهت بتحولات جذرية في الواقع السياسي والجغرافي لفلسطين.

وتشير تقديرات تاريخية متداولة إلى أن أكثر من 750 ألف فلسطيني تعرضوا للنزوح أو التهجير خلال حرب 1947–1949، في واحدة من أكبر موجات اللجوء في تاريخ المنطقة الحديث. كما شهدت تلك المرحلة قيام العصابات الصهيونية بتدمير أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية، إضافة إلى تغيرات واسعة في الخارطة السكانية والجغرافية، ووقوع مجازر وأعمال عنف وتهجير تركت آثارًا عميقة في الذاكرة الفلسطينية الجمعية.

وامتدت آثار تلك المرحلة إلى ما هو أبعد من فقدان الأرض؛ إذ شهدت فلسطين تغييرات واسعة في معالمها الجغرافية والتاريخية، واختفت تجمعات وقرى كاملة من الخارطة، وتغيرت أسماء العديد من المواقع والأماكن، في تحولات رآها الفلسطينيون جزءًا من إعادة تشكيل الواقع السياسي والديموغرافي الجديد.

ولم تتوقف تداعيات النكبة عند حدود النزوح، بل امتدت إلى الوضع القانوني والهوية الوطنية للفلسطينيين. فقد أصبح انعدام الجنسية أحد أبرز نتائج النكبة، وتحول إلى سمة أساسية من سمات الحياة الفلسطينية المعاصرة. وبعد عام 1948 لم يعد الفلسطينيون كتلة قانونية موحدة، بل توزعت أوضاعهم بين فلسطينيين داخل إسرائيل، وفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، ولاجئين مسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، إضافة إلى تجمعات الشتات الممتدة في دول عربية ومناطق مختلفة حول العالم.

وفي عام 1952 صدر قانون الجنسية الإسرائيلي الأول، الذي أعاد تنظيم أوضاع الجنسية بعد قيام إسرائيل، وهي مرحلة يعتبرها فلسطينيون وباحثون محطة مفصلية في التحولات القانونية والسياسية التي أثرت في وضع الفلسطينيين بعد النكبة.

كما أسهمت النكبة في إحداث تصدعات اجتماعية عميقة داخل المجتمع الفلسطيني، وتحولت إلى السبب الرئيسي في نشوء الشتات الفلسطيني الحديث. وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد الفلسطينيين اليوم يتجاوز 13 مليون نسمة، يعيش أكثر من نصفهم خارج فلسطين التاريخية، فيما لا يزال ملايين اللاجئين مسجلين لدى وكالة الأونروا داخل الأراضي الفلسطينية وفي مخيمات اللجوء المنتشرة في عدة دول عربية.

وقد أسهمت عقود اللجوء والاقتلاع وتشتت التجمعات الفلسطينية في تشكيل هوية وطنية ارتبطت بالذاكرة الجماعية والحنين إلى الأرض والقرية والمدينة المفقودة، وتحول حق العودة إلى أحد أكثر العناصر حضورًا في الوعي الوطني الفلسطيني، بوصفه قضية جامعة للفلسطينيين عبر الأجيال.

ولم تقتصر تداعيات النكبة على الفلسطينيين وحدهم، بل تحولت القضية الفلسطينية منذ ذلك الحين إلى محور أساسي في الوجدان العربي وإحدى أبرز قضايا المنطقة الحديثة. وعلى امتداد عقود، وُصفت القضية الفلسطينية بأنها القضية المركزية للعرب، وشكلت عنصرًا حاضرًا في الخطاب السياسي والشعبي العربي، وفي القمم والتحركات الدبلوماسية والتحولات الإقليمية.

كما شكّلت القضية الفلسطينية أحد أبرز محاور الصراع العربي الإسرائيلي، وتعاقبت محطات المواجهة عبر الحروب والأزمات والتحولات الكبرى، بدءًا من حرب 1948 مرورًا بحرب 1967 وما أعقبها من احتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، وصولًا إلى الانتفاضات والمفاوضات السياسية والمواجهات المتلاحقة.

وخلال العقود الماضية توسعت المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية، لتصبح قضية الاستيطان واحدة من أكثر الملفات حضورًا وتعقيدًا في المشهد السياسي الفلسطيني.

ومع مرور أكثر من سبعة عقود على النكبة، يرى فلسطينيون ومراقبون أن الأحداث الأخيرة في قطاع غزة وحرب الابادة والاجتثاث الإسرائيلية على سكان القطاع أعادت إلى الواجهة صورًا ومشاهد ترتبط في الذاكرة الفلسطينية بمفاهيم النزوح والاقتلاع وفقدان المأوى. فقد شهد القطاع خلال الحرب الأخيرة دمارًا واسعًا طال الأحياء السكنية والبنية التحتية والمرافق المدنية، إلى جانب موجات نزوح كبيرة داخل القطاع، في مشاهد أعادت طرح التساؤلات حول استمرار آثار النكبة في الواقع الفلسطيني المعاصر.

وأعادت تطورات غزة طرح أسئلة مرتبطة بمستقبل القضية الفلسطينية وملفات التهجير والحقوق الوطنية، وسط مخاوف فلسطينية متكررة من تكرار تجارب الاقتلاع والنزوح التي ارتبطت تاريخيًا بذاكرة النكبة.

وفي عام 1998 اعتمد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يوم الخامس عشر من مايو يومًا رسميًا لإحياء ذكرى النكبة، لتتحول المناسبة إلى محطة سنوية تستحضر التاريخ وتربط الماضي بالحاضر عبر فعاليات ومسيرات وأنشطة تقام داخل الأراضي الفلسطينية ومخيمات اللجوء وفي الشتات.

وبين تهجير عام 1948، وعقود الصراع الممتدة، ومحطات النضال والتضحيات المتواصلة وصولًا إلى غزة اليوم، بقيت النكبة بالنسبة للفلسطينيين أكثر من مجرد ذكرى سنوية؛ إذ تحولت إلى عنوان لمسيرة طويلة من الصمود والتمسك بالأرض والهوية وحق العودة، وقضية يرى كثيرون أنها ستبقى حاضرة في الوعي الفلسطيني والعربي حتى تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني.