“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد علي قحطان
لا شك بأن الجميع يدرك أهمية خدمة الطاقة الكهربائية للمواطنين أينما كانوا، إذ لا يمكن لمواطني المدن، كمدينة تعز، العيش بدونها. فهي ليست وسيلة للإنارة فقط، بل وسيلة لتشغيل كافة الأجهزة العصرية، كما أنها مطلب أساسي لتشغيل المصانع بمختلف أحجامها، وكذا تشغيل المستشفيات والمهن الحرة ومؤسسات الدولة بمختلف أنواعها. وبالتالي، فإن ضرورتها للحياة العصرية مسألة لا يختلف عليها اثنان، وتتحمل مسؤولية توفيرها سلطات الدولة في أي مكان على كوكب الأرض.
وبالعودة إلى الموضوع، يمكن القول إن سبب ارتفاع معاناة سكان مدينة تعز الواقعة تحت سيطرة الشرعية هو السلطة المحلية بذاتها. إذ إن الحكومة، ممثلة بقيادة السلطة المحلية بالمحافظة، تُتهم بالمتاجرة بمعاناة الناس مع عدد من تجار مولدات الطاقة الكهربائية. فحسب ما يشاع في أوساط الناس، فإن هناك شراكة بين تجار مولدات الطاقة الكهربائية وبعض النافذين في قيادة السلطة المحلية، الأمر الذي أدى إلى اختلالات كبيرة في تسعير الكيلووات/ساعة للمستهلكين، وعدم قدرة غالبية السكان على تلبية احتياجاتهم منها، حيث تُباع قيمة الكيلووات/ساعة بحوالي دولار أمريكي، وهو سعر يتجاوز التكلفة بكثير، كما يتجاوز السعر العالمي، ولا يوجد له مثيل لا في اليمن ولا في أي دولة في العالم سوى في مدينة تعز.
ومع زيادة انكشاف هذا الوضع، وارتفاع أنين وشكاوى سكان مدينة تعز، قامت قيادة المحافظة بتشكيل لجنة حُددت مهمتها بوضع سعر محدد للكيلووات/ساعة للمستهلكين، غير مبالغ فيه. وخلصت اللجنة إلى تثبيت سعر الوحدة عند مستوى الأسعار السابقة للمولدات التي تستخدم الديزل (900 ريال)، وأن يقل هذا السعر للمولدات التي تستخدم الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية)، مع حذف ما يسمى بالاشتراك الشهري أو بدل الفاقد.
وبدلاً من إلزام تجار المولدات بالتسعيرة، قامت السلطة المحلية بإصدار توجيهات للمواطنين بالتقيد بالتسعيرة الجديدة المحددة من اللجنة، وطلبت من المستهلكين عدم دفع قيمة فواتير الكهرباء إذا كان السعر مخالفاً للتسعيرة، وفي حالة قطع التيار الكهربائي يتم إبلاغ أقسام الشرطة. كما أصدرت تعميماً لخطباء الجوامع لتوعية المواطنين بالتقيد بالسعر، بدلاً من قيام المؤسسة بالمتابعة واتخاذ الإجراءات العقابية بحق المخالفين.
ومع العلم بأن دور الجامع في التوعية شيء مطلوب، إلا أنه ينبغي أن يدرك الجميع بأن قضية التلاعب بأسعار الكهرباء معروفة، وأن هناك نافذين في السلطة المحلية يستفيدون من هذا الوضع. كما لا يخفى أن ملاك شركات الكهرباء قادة في الجيش، حسب تصريح لوزير الكهرباء. وبالتالي، فإن توعية المواطنين للتصدي لما يتمتع به تجار مولدات الطاقة، ومن يتعاون معهم من المسؤولين، قضية لا يمكن مواجهتها بصورة فردية من قبل المواطنين، إذ سيتولد عن ذلك صراع بين أصحاب المولدات والمواطنين، ولن ينتهي لصالح المواطنين.
إذ ندرك تعقيدات الوضع في المحافظة، واستشراء صور الفساد، مع انفلات أجهزة الدولة في المحافظة، ولا يستطيع أحد إنكار ذلك.
وباعتقادنا، فإن الحل الواقعي لمواجهة مشكلة الكهرباء في مدينة تعز هو أن تعمل قيادة المحافظة على إنشاء شركة لتوليد الطاقة الكهربائية، بشراكة بين الحكومة، ممثلة بقيادة السلطة المحلية، وتجار مولدات الطاقة الكهربائية، بحيث تدير هذه الشركة المؤسسة العامة للكهرباء، بمجلس إدارة مكون من قيادة المؤسسة وتجار المولدات. الأمر الذي سيسمح بتطوير وضع شبكة الكهرباء، وتغطية المدينة بما تحتاجه، وتحقيق أرباح لأصحاب المولدات، وعوائد مالية لمؤسسة الكهرباء، وبنفس الوقت تقديم خدمة الكهرباء لسكان المدينة بأسعار مناسبة لقدرتهم الشرائية.
والملاحظ أن هناك ضجيجاً تُحدثه وسائل الإعلام التابعة للدولة، لا يعكس حقيقة الوضع، ويسرد الكثير من المبررات غير الواقعية لتبرير عجز الحكومة وقيادة السلطة المحلية بالمحافظة.
وبرأينا، فإن دعوة المواطنين للتصدي لرفع أسعار الطاقة الكهربائية، وكذا دعوة خطباء المساجد لتوعية الناس بالتقيد بمنشور قيادة السلطة المحلية، يُعتبر استخفافاً بالناس وتهرباً من المسؤولية، وتحميلاً لها على المواطنين.
إذ إن الأصل أن يشارك الدعاة وخطباء الجوامع، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني، في التوعية بأهمية أن تقوم الحكومة وسلطتها المحلية بواجباتها، دون إقحام الناس في مواجهات مع أصحاب مولدات الطاقة، وهي تعلم أين يكمن الخلل وكيف يمكن مواجهته.

