آخر الأخبار

spot_img

اليمن وتحولات الوعي: قراءة في فلسفة الزمان والمكان

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

د. فائزة عبدالرقيب

في البلدان المستقرة، تتشكل فلسفة الإنسان من إيقاع الحياة الطبيعية؛ من العمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية، والأحلام المؤجلة إلى الغد. أما في البلدان التي تعيش التحولات العنيفة، فإن وعي الإنسان يُعاد تشكيله تحت ضغط الخوف والحرب والانقسام، وتبدل الولاءات ومراكز النفوذ. واليمن، منذ سنوات طويلة، لم تعد مجرد ساحة صراع سياسي أو عسكري، بل تحولت إلى مساحة مفتوحة لتحولات الزمان والمكان، وانعكاساتهما العميقة على وعي الإنسان وموقعه من الدولة والهوية والمستقبل.

ومن هنا، فإن قراءة الواقع اليمني تتجاوز التحليل السياسي التقليدي؛ لأن الأزمة لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحولات عميقة في الوعي الجمعي، وعلاقة الإنسان بالزمان والمكان معاً.

فالزمان في اليمن لم يعد تسلسلاً طبيعياً للأحداث، بل أصبح زمناً مضطرباً تتداخل فيه المراحل، وكأن البلاد تعيش أكثر من عصر في وقت واحد. فبين من يفكر بعقلية الدولة الحديثة، ومن تحكمه ذهنية الجماعة أو القبيلة أو الاصطفاف العقائدي، يعيش المواطن العادي في زمن يومي ضيق، يبحث فيه عن الحد الأدنى من الاستقرار بعيداً عن الشعارات الكبرى.

وقد غيرت الحرب مفهوم الزمن لدى اليمنيين. فبعد أن كان المرء يخطط لمستقبله بصورة طبيعية، تقلصت الفلسفة الزمنية اليوم إلى فكرة “النجاة”. لم يعد سؤاله: ماذا سأكون بعد سنوات؟ بل: كيف أعيش هذا اليوم بأقل الخسائر؟ وهكذا انتقلت فلسفة الحياة من البناء إلى البقاء، ومن المستقبل إلى الحاضر فحسب.

أما المكان، فقد فقد هو الآخر معناه التقليدي. فالمكان ليس جغرافيا فقط، بل إحساس بالأمان والانتماء. غير أن اليمني اليوم يعيش قلقاً حتى داخل مدينته. مدن تغيرت هويتها، وأماكن أصبحت خاضعة لموازين نفوذ متبدلة، وحدود نفسية نشأت بين أبناء الوطن الواحد. وبات المواطن يقيس المكان بالأمان أو النفوذ أو الولاء، لا بقيمته الإنسانية أو الحضارية.

ولعل الأخطر أن هذه التحولات لم تغير الجغرافيا فقط، بل أعادت تشكيل الإنسان نفسه. فعندما يفقد الفرد ثقته بالزمن، ويتزعزع إحساسه بالمكان، يصبح أكثر قابلية للانكفاء أو الارتهان أو الانقسام، وتتشكل أجيال لا ترى الدولة كمشروع جامع، بل كساحة نفوذ متنازع عليها.

ومن هنا يمكن فهم صراع النفوذ في اليمن، الذي لم يعد مجرد تنافس بين قوى محلية أو إقليمية أو كليهما، بل صراع على إعادة تشكيل الزمان والمكان في الوعي ذاته. فكل طرف يسعى لفرض روايته للدولة والتاريخ والهوية، وكأنه يعيد تعريف اليمن وفق رؤيته الخاصة.

وفي هذا السياق، يتشكل إنسان مختلف عن الماضي؛ أكثر حذراً، أقل ثقة، وأكثر ميلاً للتكيف مع موازين القوة بدلاً من القناعات المستقرة والثبات على المبادئ. ففي أزمنة الصراع الطويل، تتراجع القيم، وتضعف المواقف أمام ضرورات البقاء، ويصبح النفوذ هو اللغة الأكثر حضوراً في تشكيل العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وهو ما يستدعي الوقوف بعمق أمام طبيعة الصراع القائم اليوم في اليمن؛ بين معركة استعادة الدولة وحسم المواجهة مع جماعة الحوثي، وبين متطلبات التسوية السياسية الشاملة التي ينبغي أن تراعي خصوصية الجنوب والقضية الجنوبية واستحقاقاتها السياسية والتاريخية، بما يحقق تطلعات الجنوبيين ويؤسس لواقع أكثر استقراراً وعدالة في المستقبل.

ولهذا تبدو الأزمة اليمنية أعمق من حرب عسكرية، فهي صراع على الوعي أيضاً: كيف يفهم الإنسان ذاته، وموقعه، وعلاقته بالسلطة والمجتمع والهوية. ومع طول أمد الفوضى، يصبح الانقسام مألوفاً، ويُعاد إنتاجه نفسياً واجتماعياً.

ومع ذلك، فإن المجتمعات التي مرت بتحولات قاسية استطاعت أن تعيد تعريف علاقتها بالزمان والمكان. واليمن، رغم كل ما حدث، ما تزال تمتلك عمقاً حضارياً وإنسانياً قادراً على استعادة فكرة الدولة الجامعة، متى ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الوطنية.