آخر الأخبار

spot_img

التعليم خط الدفاع الأول

صحيفة الثوري – كتابات 

خالد طربوش 

لعل أكثر الفئات التي أنهكتها الحرب اليمنية وأثقلتها سنوات الانهيار هم المعلمون وأساتذة الجامعات والمعاهد، هؤلاء الذين تحولت حياتهم إلى معركة يومية من أجل البقاء بعد أن توقفت الرواتب، وضاقت الأحوال، وتآكلت مكانتهم الاجتماعية.
لكن برغم قسوة مشهد حياتهم، فإن هناك سؤالًا مؤلمًا لا بد من قوله: هل كان المعلّم ضحية، أم أنه جزء مما نعيشه اليوم هو نتيجة تراكم طويل من الإهمال في العملية التعليمية نفسها، التي هم أسها وأساسها؟
يبدو الحديث قاسيًا ومستفزًا، لكن الحقيقة أحيانًا لا تُقال إلا بلهجة موجعة.

المدرسة والجامعة في أي بلد هي خط الدفاع الأول عن الوعي الوطني والقيم والأخلاق، هي المكان الذي يُصنع فيه الإنسان القادر على حماية وطنه، لا الإنسان الذي يسهل دفعه نحو العصبية أو الكراهية أو التبعية أو الفوضى.
لكن ماذا حدث لدينا؟
تحول التعليم عند كثيرين إلى وظيفة روتينية بلا روح، وغاب الحس الوطني الحقيقي عن عدد كبير من المؤسسات التعليمية، وغابت معه فكرة بناء الإنسان. لم يعد هم بعض المعلمين أن يصنعوا جيلاً واعيًا ممتلئًا بالقيم، أصبحوا في أحسن الأحوال مجرد أداء لإنهاء المنهج أو تأدية الواجب الوظيفي بأقل قدر ممكن من الجهد.

لم تربط الأجيال بالوطن كما ينبغي، ولم تُغرس فيهم القيم النبيلة التي تحمي المجتمع عند الأزمات. لم يُصنع وعي حقيقي يجعل الشباب يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين الدولة والفوضى، ولا بين الانتماء الوطني والانجرار خلف المشاريع الضيقة.
ولو أن العملية التعليمية أدّت رسالتها كما يجب، ولو أن المعلم والأستاذ الجامعي حملا رسالتهما بإخلاص أكبر، لربما خرجت من مدارسنا وجامعاتنا أجيال أكثر وعيًا وصلابة، أجيال تستطيع أن تمنع البلد من الانهيار إلى هذا الحد.

ليس المقصود هنا تحميل المعلمين وحدهم مسؤولية ما حدث، فالأزمة أكبر من الجميع، والدولة نفسها شاركت في إضعاف التعليم وإهانة المعلم لعقود طويلة، لكن من الظلم أيضًا أن نتعامل مع التعليم وكأنه كان بريئًا تمامًا من نتائج هذا الانهيار.
إنّ المعلّم لا يقتصر دوره على شرح الدروس، بل هو شريك في تشكيل وعي المجتمع، وعندما تضعف الرسالة التعليمية يضعف معها كل شيء: الأخلاق، والانتماء، والوعي، وحتى قدرة الناس على حماية أوطانهم من السقوط.

والمفارقة المؤلمة اليوم أن المعلّمين أنفسهم صاروا من أكثر ضحايا هذا الواقع الذي ساهم ضعف التعليم في الوصول إليه، فهم الآن يواجهون انقطاع الرواتب، وقسوة الحياة، وانهيار الكرامة المعيشية، بينما الوطن كله يدفع ثمن سنوات طويلة من غياب التربية الحقيقية.
لقد أثبتت هذه الحرب أن بناء الجيوش لا يكفي لبناء الأوطان، وأن أخطر ما يمكن أن ينهار في أي بلد ليس الاقتصاد فقط، بل الإنسان نفسه.

ولهذا فإن أي مشروع لإنقاذ اليمن مستقبلًا لا يمكن أن يبدأ من السياسة وحدها، بل يجب أن يبدأ من المدرسة، ومن المعلم، ومن إعادة بناء معنى التعليم نفسه. تعليم يصنع الإنسان قبل الشهادة، ويزرع الانتماء قبل المعلومات، ويربي جيلاً يعرف قيمة الوطن قبل أن يعرف كيف يبحث عن مصلحته الشخصية.
الأوطان لا تسقط فجأة، بل تسقط أولًا حين تفشل في تربية أجيالها.